الفصل الثاني
كانت نهى فتاة نشيطة في عملها الجميع يحبها في المستشفى الذي كانت تعمل فيه....مجتهدة لأقصى الحدود رغم انعزالها الدائم عن جميع من حولها...ولكنها لفتت الأنظار بجمالها البسيط بدون مساحيق وتهذيبها واحترامها لزملائها والتزامها بدينها........... كانت تقضي الصلاة في مواعيدها ولا تحب التخالط كثيراً....الجميع كان يعتبرها اختاً له...الا...شريف...كان طموحه اكبر من الأخوة...كان يرغب في الاقتران بها....
كان شريف يعمل معها في نفس المستشفى ولكن في قسم التحليل ....كان يحب عمله جداً...انسان محترم وخلوق...أعجب بنهى...وأعلن عن اعجابه لها مرات عديدة....كان تصده ولا تعيره اي اهتمام... أبقت هذا الأحساس يراودها بصمت من دون الإفصاح عنه....حاول مرات عديدة التقرب منها ولكن كان لا يجد منها سوى الرفض....كانت تخاف من ان تكلم شاباً...ترتبك وتكاد تموت من الخوف اذا نظر احد الى وجهها نظرة اعجاب...كانت تخاف من أن تتحدث مع اي رجل...وهذا ما كان يبعدها عن شريف..ولكن يقرب شريف منها ااكثر واكثر...
الا ان صارحها يوماً برغبته في الزواج منها ولحق بها....ليعرف مكان سكنها.....
..............
- لما قالي انو عاوز يتجوزني فرحت اوي...حسيت اني في حد اعجب بية..في حد شاف فيني حاجة حلوة....بس بعد ليلة الدخلة كل حاجة اتغيرت بقيت ابشع انسانة في الوجود بقيت ولا حاجة......
- ممكن تحكيلي اكتر ايه الي حصل في اليوم ده؟
.......................
سرحت نهى الى ذكرياتها الأليمة...تتذكر هذا اليوم...الذي تعتبره اي فتاة اجمل يوم في حياتها...الزغاريد تملأ المكان...فستان زفاف...زينة جميلة..الجميع سعيد...تنتظر في لهفة قدوم شريف...الذي سيصبح بعد دقائق زوجها على سنة الله ورسولة...كانت سعيدة جداً...تلمس وجهها البريىء غير مصدقة انها ستصبح امرأة وسيدة بيت مستقل لها وحدها تفعل فيه ما تشاء...فرحة بانتقالها الى عالمها الأخر الجديد الممتلىء بالبهجة والسرور......الي بيتها البسيط الذي يتألف من غرفتين فقط..ولكن شريف أحضرهم لها من تعبه وجهده طوال السنين الماضية....لتكون فيه كالملكة........
وسط الفرحة العارمة علا صوت يقول: العريس جه العريس جه....
واخيراً تحقق حلمها...وجلست بجانب شريف..أصبحت زوجته...تنظر اليه غير مصدقة انها بجانب من احبت بصمت..وهو غير مصدق انه بجانب من تمنى ان تكون زوجة له منذ أن رأها لأول مرة....
ولكن بعد ان وصلت الى بيتها ..دخلت الى غرفتها...ضاع وانهار كل شيىء......
..............................................
- مش قادرة افتكر الي حصل كل ما بفتكرو بحس اني ضعيفة اوي.....خاصة لما كنت بشوف الغضب مالي عنيه.......وهو قاعد يزعقلي ويقولي..انا اتغشيت فيكي...انا مش قادر اصدق انك كده....انتي ملاك طلعتي شيطان شيطان........وقعد يعيط زي الاطفال....تخيلي واحدة يوم فرحها..يتقلها كده..
(وعادت بذاكرتها الى هذا اليوم الأليم..الى الحوار الذي تم بينها وبين شريف..من غير الممكن ان تنساه)
...................................
- أمسك بيدها بعنف وبدأ يهزها: انتي مش ممكن تكوني بني قدمة شريفة..انتي سامعة..انا اتخميت فيكي..اتخميت فيكي......
(امسكها بقبضة يده وذهب الى المطبخ واحضر سكيناً ورفعه في وجهها..بدأت بالصراخ)
- شريف..انت بتعمل ايه...والله ان بريئة من كل الي بتقولو..انا عمري ما حد لمسني..والله عمري ما حد لمسني....
- صرخ فيها واشهر السكين في وجهها: كدابة..كدابة..انتي مش بنت اساساً....مش بنت....
- والله عمري ما حد لمسني بقلك...والله ما عرف ليه كده..والله...صدقني..ابوس رجلك..
(ارتمت على قدميه تريد منه ان يصدقها....في هذه اللحظات رمى السكين وجلس على الارض وبدأ بالبكاء)
- مش قادر اصدق حلم عمري راح راح..البنت الطاهرة الشريفة الي طول عمري اتمنتيها زوجة لي..تحفظني وتصوني...اامنلها دلوقت ازاي.......ازاييييييييييييي؟!
.........................................
- في اليوم ده بذكر ان جالي انهيار عصبي جامد...شريف رغم كده...راعاني...وجبلي دكتور........بعدها بيومين انا روحت لدكتورة نسائية..طلعت فعلاً مش عذراء....من زمان كمان....ولما حكتلها عن الي حصلي وانا صغيرة..أكدت ان ده السبب.....قوولت لشرريف ما صدقنيش..قلي لو كان حتى مظبوط الشك طول عمره حيفضل ماليه.....وقلي..تفضلي عندي...شهر واحد بس..كل واحد مننا ينام في قودة..بعدين نطلق بهدوء..وكل واحد يا بنت الناس يروح في حاله..لا من شاف ولا من دري.....
-ايه حدود تعاملك مع الرجالة في حياتك؟؟؟
- ما بتعملش ولا بكلم رجالة..... كانت ماما تخوفني منهم بشكل فظيع...كانت منعاني اني اكلم ولاد خالي وعمي كل ولاد العيلة تقريباً....تعرفي...ماما ما كانتش متدينة....ما كانتش بتصلي....بس الابلة في المدرسة هي الي علمتني اصلي ازاي..وكنت الوقت الوحيد الي بحس فيه بالراحة لما بصلي....ماما يوميها لما شافتني بصلي انبسطت....اول مرة بشوفها بتضحكلي بجد....ماما عمرها ما ضمتني..عمرها....عمرها ما بستني حتى.......نفسي ابوسها قبل ما تروح من ايدي(نزلت دمعة حرقة من عينيها)
- نظرت اليها الطبيبية وقالت لها: اعتقد كفاية كده النهاردة نكمل وقت تاني.....
- انا يا دكتورة حتجنن بجد...مش قادرة استوعب حياتي كده.....
- انتي الي حصل عندك يا نهى حادثة....انما احداثها جواكي من الطفولة....ان شاء الله حنقدر نتخطاها مع بعض...يوم التلات الي جي..تيجي عندي..في الوقت ده تاخدي الحبوب دي....حتريحك..في الفترة دي على الاقل لحد ما شوفك مرة تانية ونكمل دردشة مع بعض....
غادرت العيادة وهي في غاية اليأس....وصلت الى منزلها...جلست على السرير...كأنها تريد ان ترتاح وتنام نوماً عميقاً لمرة واحدة منذ يوم زفافها.....تصرفات شريف القاسية معها تخنقها لم تعد تطيق هذه الحياة بهذا الشكل العصيب...
دخلت بعدها المطبخ لتحضر لشريف الطعام عله اذا جاء في المساء يجدها مهتمة به...
ولكن كالعادة اتى شريف الى منزله بعد منتصف الليل.....كانت نهى جالسة على الاريكة ونصف نائمة تنتظره....ولكنها ما ان سمعت صوت المفتاح وهو يدخل في الباب...حتى استيقظت مسرعة...
نظر اليها بصمت....كان وجهه شاحباً...ومظهره العام يوحي بأي شيىء الا مظهر عريس في الشهر الأول من الزواج.....
-قالت في اهتمام: احضرلك العشا....
-نظر اليها بغضب وقال: مش عاوز منك حاجة......لو سمحتي ادخلي قودتك عشان عاوز انام هنا...
- قالت بغضب: انت لغاية امتى حتفضل تعاملني كده...طلقني وريحني....
- هو شهر بس....يخلص..ويعدي.....مستعجلة اوي على الحرية..عاوزة تفلتي زي الاول على كيفك...
- اانا ما سمحلكش....خلاص مش قادرة على الكلام الجارح الي بسمعو كل يوم...انت مش عاوز تصدقني ليه ليه.....انت حتجنني اقتل نفسي قدامك وارتاح...ارتاح....ربنا ما بيرضاش بالظلم وانت بتظلمني في اليوم الف مرة..حرام عليك بقة حرام عليك....
نظر اليها والشرار يتطاير من عينيه....ولكنها اسرعت بالدخول الى غرفتها واقفلت الباب....اما شريف فجلس يبكي بصمت....لمح اطاراً معلقاً على الحائط....في داخله صورة له مع نهى ايام الخطبة.....امسك بألة حادة ورماها على الاطار ..حطمه.......كأنه يحطم قلبه الذي أحبها ....
يتبع............