قبل ان تشاركي في المنتدى اقرئي نصائح فتكات اذا كان ايميلك في الياهو فاضغطي الزر التالي لكي تصلك الرسائل:


الصحبة الصالحة ,, محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم



رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 14-6-2008
صراحة
فتكات نشيطة
موظفة - مصرية (تعيش في الغربية - مصر)
صراحة غير متواجدة حالياً
تاريخ التسجيل: 4/2008
المشاركات: 142
المواضيع: 24
الصحبة الصالحة ,, محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم

الصحبة الصالحة
محمد رسول الله
r
أشهد أن لا إله إلا الله و أشهد أن محمد رسول الله .

السيرةالنبوية

( فكرت فى أن يكون هذا القسم ملئ بكل ما يخص رسولنا r ليكون مرجع لنا لنتعلم ونستفيد
اللهم وفقنا لخدمة دينك وأعنا على فعل الخير وسدد بالحق طريقنا وألهمنا رشدنا إنك ولي ذلك والقادر عليه,اللهم ارزقنا الفقه في الدين والبصيرة في الشريعة وانفعنا اللهم بهدي كتابك ، وارزقنا السير على سنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم .)
رجاء (قراءة فهرس الموضوعات وإضافة الجديد فقط عن سيرة الحبيب r والردود فى قسم اللي بتدور علي الصحبة الصالحة تعالي معاية )

* * تم إعداده بمعرفتى من المواقع الأسلامية والمنتديات .

فهرس للموضوعات :
1- مولد أمة على يد الحبيبr*
2- محمد r
3- السيرة النبوية
- أهمية دراسة السيرة النبوية ومعرفتها
- التثبت والتوثق من سيرة الرسول
- معرفة تفاصيل سيرة الرسول
- دعم صدق نبوة محمد
- معرفة عظمة الإسلام وقوته
- أهم مزايا السيرة النبوية
- أولا التوثيق المعتمد على الرواية المسندة المتصلة
- ثانيا التدوين المبكر للسيرة النبوية:
- ثالثا الشمول والوضوح
- مصادر السيرة النبوية
وأهم هذه المصادر ثلاثة وهي:
- القرآن الكريم
- السنة النبوية
- الكتب المؤلفة في السيرة
- نسب النبي
- الجذور الأولى للنسب الفاضل
- نسب النبي
- الطفولة والصبـا
- الزواج والرجولة
- الوحي والنبوة
4- محمد rفي القرآن والسنة
- نبوة محمد صلى الله عليه وسلم .
- هذه آيات باهرات ، ومعجزات ظاهرات ، لم يستطيعوا دَفعها
5- صفاته rالخُلُقية والخَلْقية
- من أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم
- ما المقصود بحُسن الخلق ؟
- أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم مع أهله :
- عدل النبي صلى الله عليه وسلم :
- كلام النبي صلى الله عليه وسلم :
- أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم مع الأطفال
- أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم مع الخدم:
- رحمة النبي صلى الله عليه وسلم
- عفو النبي صلى الله عليه وسلم:
- تواضعه صلى الله عليه وسلم :
- مجلسه صلى الله عليه وسلم
- عبادته
- دعوته
- مزاح النبي صلى الله عليه وسلم
- كرم النبي صلى الله عليه وسلم
- صبر النبي صلى الله عليه وسلم
- تعاون النبي صلى الله عليه وسلم
6- جوانب إعلامية في سيرة الرسولr
- مزايا إعلامية سامية في شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم :
- عبقرية محمد rالإعلامية
- تقويم عمل الرسول r الإعلامي من خلال سيرته
- القرآن الكريم كرسالة إعلامية
- بعض الخصائص الإعلامية للقرآن الكريم
7- منهج الرسول rفي الحفاظ على سمعة الإسلام
8 - الرحمة النبوية.. منهج إنساني نادر*
- الإفراط والتفريط في الرحمة
- خدعة "الإنسانية"(Humanizm)
- كان ذروة في كل شيء
- الرحمة العالمية
- الشفقة مع الأطفال
- رحمة بالحيوانات.. أيضًا
9- ملامح العظمة في شخصية الرسولr
- سرّ الإنسانية في النبوّة:
- رسول الرحمة:
10 - بناء الرسولr للجانب الاقتصادي في دولة المدينة
- إحياء للأرض
- نهضة زراعية
- كفالة المهاجرين
- تنظيم الري
11 -وجوه العظمة المتعلقة بأمتهr والأمم الأخرى
1. كونه صلى الله عليه وسلم أولى بالأنبياء من أممهم:
2. كونه صلى الله عليه وسلم أولى بالمؤمنين من أنفسهم
3 . منة الله -جل وعلا- ببعثته على العباد والخلائق:
4. كونه صلى الله عليه وسلم أكثر الأنبياء أتباعاً من الأمم :
5. كونه صلى الله عليه وسلم رحمةً للعالمين
6. كونه صلى الله عليه وسلم أماناً وأمنهً لأمته:
7. ادخار دعوته صلى الله عليه وسلم لأمته في يوم القيامة:
8. شهادته صلى الله عليه وسلم على الأمم والأنبياء يوم القيامة:
9. شفاعته الأمم كلها عامةً ولأمته خاصة:
10. خيرية أمته وصحابته رضوان الله عليهم أجمعين:
12- أخلاقيات الرسول rفي الحروب
- صلح الحديبية
- فتح مكة
13- هل الإسلام دين عنف حقاً؟

14- جهود النبي في مكافحة الرق والاتجار بالبشر
- تعاليم نبوية في تحسين أوضاع العبيد
أولاً: وصيته بالعبيد والإماء:
ثانيًا: تحذيره rمن إيذاء العبيد والإماء:
ثالثًا: أمره rبالإحسان إلى العبيد والأماء
رابعًا: تحريك الجهود الشعبية لمكافحة الاسترقاق.
كفالة الدولة الإسلامية للعبد المعاق أو المريض
خامسًا: سن قاعدة "كفارة ضرب العبد عتقه"
سادسًا: كفالة الدولة الإسلامية للعبد المعاق أوالمريض
- فرية سن الاسترقاق!
- تحريم الاتجار بالبشر
15- رحمة النبي rبذوي الاحتياجات الخاصة
- الفئات الخاصة في المجتمعات السابقة
- رعاية النبي صلى الله عليه وسلم لذوي الاحتياجات الخاصة
- ومن صور هذه الرعاية
- عفوه rعن سفهائهم وجهلائهم:
- تكريمه ومواساته صلى الله عليه وسلم لهم
- زيارته صلى الله عليه وسلم لهم
- الدعاء لهم
- تحريم السخرية منهم
- رفع العزلة والمقاطعة عنهم:
- التيسير عليهم ورفع الحرج عنه
16- رحمة الرسول rبالمسنين
- تعاليمه صلى الله عليه وسلم في رعاية المسنين..
- أسس الشريعة السمحاء .
- نماذج رحمته صلى الله عليه وسلم للمسنين
- الهدي النبوي في التعامل مع المسنين
17- صفـة الأبوة لدى النبي r
- شـفـقـتـه على أولاده وأحـفاده
- التوازن الجم في التربية:
- حـبـه وحنانه تجاه فاطمة رضي الله عنها
- تـهـيـئـة أولاده للحياة الأبدية
- الـجـو العام للتربية في بيته الـكريم

18-هدي الحبيب r في الممازحة
- أسوة حسنة حتى في الممازحة
- المصطفى يمازح النساء والأطفال
- منهج نبوي في المزاح
19- المنهج النبوي في تدعيم الثقة بالنفس
- أهمية الثقة بالنفس
- العوامل التي تدعم الثقة بالنفس لدى الفرد،
1 ـ تغيير الأسماء القبيحة.
2 ـ النهي عن تحقير الذات .
3 ـ الرسائل الإيجابية .
- أقوال النبي صلى الله عليه وسلم
4ـ مدح النفس بضوابطه
- أقوال النبي صلى الله عليه وسلم
5 ـ توظيف الطاقات
6ـ عدم توجيه الرسائل السلبية
- بين الثقة والغرور
20- عظمة محمد rمع أطفال غير المسلمين
- تعامله r مع أطفال غير المسلمين
1 - الحرص عليهم وهم في أصلاب آبائهم .
2 - النظرة نحوهم تتميز بالروح الطيبة.
3 - الحرص على الطفل الموهوب غير المسلم.
4 - الاهتمام بالأطفال المرضى غير المسلمين ودعوتهم
5 - عدم تكليف الأطفال غير المسلمين أعباء مالية أو ضريبية في ظل الدولة الإسلامية.
6 - عدم إكراه الأبناء على اعتناق العقيدة
7 - الحفاظ على حياة أطفال غير المسلمين وعدم التعرض لهم أثناء الحروب
8- المسلم في حالة الأسر والظلم وعند الإعدام لا يغدر ولا يقتل أطفال الأعداء:
21- منهج الرسولrالبارع في تربية النفوس**
- تبسمك في وجه أخيك صدقة
- كل خير صدقة
- غاية الغايات
- إيجابية فاعلة
22- صفة صلاة النبي r

23- وصف الصحابة لرسول الله r
24- غزوات الرسولr( أتمنى إضافته من الأخوات)


1- مولد أمة على يد الحبيب r*
الدكتور: عبد الستار الهيتي**
في فترة من فترات التاريخ الغابرة، وعلى ثرى البقعة المباركة التي اختارها الله لتكون مثابة للناس وأمنا، وفي ظل أجواء مليئة بالجهل والظلم، وتحكـم الغني بالفقير، وسيطرة القوي على الضعيف؛ كان العالم كله يرقب ولادة جديدة تنتشل الأمة من وهدتها، وتطيح بالظلم والطغيان؛ لتضع الأمور في نصابها وتعيد للإنسانية كرامتها وترتفع بالبشرية من حياة الذل والضياع متطلعة بها إلى حياة العزة والمجد.
وسط هذه الأجواء الملبدة بغيوم الجهل والشرك والوثنية كانت الولادة المرتقبة؛ فانتبهت مكة على إيقاع صوت الحق ينطلق من بين أزقتها، وأفاقت تلك المدينة المقدسـة الوادعة على أنغام الترحاب بالوليد اليتيم الذي لم يكن يخطر ببال أحـد أنه سيكون منقذا لأمة ومؤسسا لحضارة ومعلما للبشرية وقائدا لركب الإيمان والتوحيد.
علامة مضيئة
إنه في صبيحة الثاني عشر من ربيع الأول كان العالم على موعد مع العلم والفضيلة والحضارة التي انطوت جميعها فتمثلت بالميلاد الميمون لرسول الله صلى الله عليه وسلم، في وقت كانت فيه البشرية بأمس الحاجة إلى تصحيح الأفكار وبناء العقائد وبرمجة الرؤى والتوجهات.
بحيث أصبح ذلك الميلاد علامة مضيئة في التاريخ الإنساني ليس للمسلمين فحسب وإنما للإنسانية جمعاء على اختلاف مللها وتعدد نحلها، ويؤكد هذا المعنى ما أشار إليه أحد الشعراء المسيحيين بقوله:
أمحـمد والمجد بعض صفاته
مجّـدت في تعليمك الأديانا
بعث الجهاد لدن بعثت وجردت
أسياف صحبك تفتح البلدانا
ورفـعت ذكـر الله في أميـة
وثنيـة ونفحـتها الإيـمانا
مرحـا لأمـي يعـلم سـفره
نبغـاء يعـرب حكمة وبيانا
إنـي مسيحي أحـب محـمدا
وأراه في فلك العلا عنـوانا
اليد العصماء
لم يكن ميلاد محمد بن عبد الله العربي القرشي حدثا تاريخيا عابرا يمر عليه المؤرخون مرورا، وإنما مثـّل من خلال نبوته ورسالته أبرز دعوات الإصلاح والتربية في دنيا البشرية على الإطلاق.
فقد استطاع أن يجعل من جزيرة العرب مصدر إشعاع فكري وثقافي وحضاري، قدمت الأمة من خلاله للعالم صياغة روحية ومادية حملت بين طياتها معالم البعد الرسالي لدعوة الإسلام عقيدة وشريعة ومنهج حياة.
حيث تمكن محمد -صلى الله عليه وسلم- من أن يتبوأ قمة الهرم ليكون على رأس المصلحين الذين كان لهم أثر بارز في توجيه البشرية نحو الفضيلة والرشاد، وفي هذا يقول أمير الشعراء أحمد شوقي:
المصلحون أصابع جمعت يـدا
هي أنت بل أنت اليـد العصماء
ففي ميدان الإصلاح العقائدي والفكري كان لمحمد -صلى الله عليه وسلم- الفضل الكبير في ترسيخ معالم عقيدة التوحيد التي تعني إفراد العبودية لله تعالى ونبذ الشرك والوثنية والإطاحة بعبادة الأصنام لتخليص الفكر البشري من سفاهات العقائد الباطلة والترفع به عن عبادة البشر أو الحجر:
بك يا ابن عبد الله قامت سمحة
للحق من ملل الهدى غـراء
بنيت على التوحيد وهو حقيقة
نادى بها سـقراط والحكماء
نبذ التمايز الطبقي
وفي ميدان الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي كان لمحمد -صلى الله عليه وسلم- الباع الطويل في بناء نظرية اقتصادية ترعى الفقراء وتهتم بشئونهم وتحافظ على حقوقهم من أن يتعدى عليها المتنفذون وأصحاب رؤوس الأموال، كما كان له الفضل الكبير في تحقيق العدالة والمساواة بعيدا عن التمايز الطبقي أو التفاوت الاجتماعي:
جاءت فوحـّدت الزكاة سبيله
حتى التقى الكرماء والبخلاء
أنصفت أهل الفقر من أهل الغنى
فالكـل في حق الحياة سواء
فلـو أن إنسـانا تخيـّر ملـّة
ما اخـتار إلا دينـَك الفقراء
قيم وثوابت
أما السياسة والقيادة عند محمد -صلى الله عليه وسلم- فلها نمط آخر وصيغة متقدمة لم يستطع العالم الذي يعيش اليوم أوج حضارته وقمة تقدمه الحضاري أن يصل إلى ذلك النهج السوي من حيث الوضوح في الطرح، والصدق في التعامل، والأمانة في العهود، والعدل في الحكم؛ فمزج بذلك السياسة بالأخلاق والقيادة بالرحمة والإمارة بالمساواة، فتحقق بذلك حلم الفلاسفة القدماء وآمال المفكرين الحكماء:
والدين يسـر والخلافة بيعة
والأمر شورى والحقوق قضاء
وإذا أخذت العهد أو أعطيته
فجميع عـهدك ذمـة ووفاء
وإذا رحـمت فأنت أم أو أب
هذان في الدنيا هما الرحـماء
وعلى أساس هذه الثوابت شيّد "محمد النبي والرسول" قواعد حضارة عربية إسلامية، وبنى مجدا وعزا وعلما لا يزال العالم ينهل منه ويفيد من طروحاته ويرجع إليه عند اشتداد الأزمات واحتلاك الخطوب؛ فالمصدر رباني إلهي، والصياغة محمدية نبوية، وآلية التطبيق عربية إسلامية عاش العالم في ظلالها ردحا طويلا من الزمن ينعم بالأمن والأمان والخير والسلام.
فلا ظلم ولا طغيان، ولا انتهاك ولا عدوان؛ الجميع تحت مظلة القانون سواسية؛ فكلكم لآدم وآدم من تراب، فلا ميزة لعربي على أعجمي إلا بالتقوى، ولا فرق بين مسلم أو يهودي أو نصراني من حيث الحقوق والواجبات، فلهم ما لنا وعليهم ما علينا.
ومحمد -صلى الله عليه وسلم- يقول: "من آذى ذميا فأنا خصمه" رواه أبو داود،
ويقول صلى الله عليه وسلم: "يا أيها الناس إنما ضل من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه وإذا سرق الضعيف فيهم أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها" رواه البخاري.
وهكذا قدم "محمد صلى الله عليه وسلم " برنامج عمل وصياغة قانونية لدولة العدل والتسامح والمساواة قبل أن يعرف العالم بوادر النهضة الحديثة وقبل أن تبرز طلائع الثورة الفرنسية التي يفخر الغرب بها وبطروحاتها حتى كان ميلاد محمد -صلى الله عليه وسلم- ميلاد أمة بكاملها؛ شيدت حضارة وأقامت دولة ونشرت في ربوع العالم العلم والمعرفة.
إذا كانت هذه هي المعاني السامية التي قدمها محمد للعالم كافة وللعرب والمسلمين خاصة، فإن الأمة اليوم مطالبة ببرمجتها على أرض الواقع وتقديمها كحلول ناجعة للخلاص من حالة الضياع والتشرذم الذي آلت إليه أحوالها في كافة المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
وإذا كان العامة من أبناء الأمة ملتزمين بالكثير من هذه المفاهيم والمعاني الكبيرة في علاقاتهم الدينية والأخلاقية، فإن خاصتها من المثقفين والسياسيين وأصحاب القرار يحتاجون إلى مراجعة حثيثة لأنفسهم ولخطواتهم ولقراراتهم؛ لتأتي متفقة مع الإرث الحضاري الذي خلفه محمد بن عبد الله لهذه الأمة ولتحظى بالمكانة السامية التي حظي بها أسلافنا يوم سادوا العالم وقدموا له أفضل برامج الحياة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا.
وإلى أن يتحقق ذلك فإن أولي الأمر في هذه الأمة وعلماءها ومثقفيها مطالبون بجهد كبير وسعي حثيث لتصحيح علاقاتهم مع الله أولا ومع شعوبهم ثانيا، عن طريق الحوار الهادف البناء والمرونة في الطرح والتعامل والمشاركة الحقيقية لشعوبهم في آمالهم وآلامهم ليكونوا جزءا من الأمة وليس في أبراج عالية بعيدة عنها.



يا ربّ أنت غفور وبالسماح قدير

مالي سواك أغثني وهل لي سواك يجير



2- محمد r

الدكتور سلمان العودة**

لم يكتب لأحدٍ من البشر من الأثر والخلود والعظمة ما كتب لصاحب النسب الشريف صلى الله عليه وسلم.
ولقد دونت في سيرته الكتب، ودبجت في مديحه القصائد، وعمرت بذكره المجالس، وبقيت عظمته قمة سامقة لا تنالها الظنون.
تقلبت به صروف الحياة من قوة وضعف، وغنى وفقر، وكثرة وقلة، ونصر وهزيمة، وظعن وإقامة، وجوع وشبع، وحزن وسرور، فكان قدوة في ذلك كله، وحقق عبودية الموقف لربه كما ينبغي له.

ظل في مكة ثلاث عشرة سنة، وما آمن معه إلا قليل، فما تذمّر ولا ضجر، وجاءه أصحابه يشتكون إليه ويسألونه الدعاء والاستنصار فحلف على نصر الدين وتمام الأمر، وأنكر عليهم أنهم يستعجلون، فكان الأمر كما وعد، علما من أعلام نبوته، ونصرا لأمر الله، لا للأشخاص.

وكان من نصره أن تأتيه وفود العرب من كل ناحية مبايعة على الإسلام والطاعة فما تغير ولا تكبّر، ولا انتصر لنفسه من قوم حاربوه وآذوه وعاندوا دينه.

كما كان يقول أبو سفيان بن الحارث:

لعـــــمرك إني يوم أحمل راية
لتغــلب خيل اللات خيل محمدِ
لكـــالمدلج الــحيران أظلم ليله
فهذا أواني حين أهدى وأهتدي
هـداني هــــادٍ غير نفسي ودلني
عـلى الله من طردته كل مطرد
وما حملت من ناقة فوق ظهرها
أبر وأوفى ذمــــة من محــــمد

فاستل العداوات، ومحا السخائم، وألّف القلوب، وأعاد اللُّحمة، وعرف عدوُّه قبل صديقه أنها النبوة، وأنه لم يكن صاحب طموح شخصي ولا باني مجد ذاتي، وإن كان الطموح والمجد لبعض جنوده.

تعجب من عفويته وقلة تكلفه في سائر أمره، واحتفاظ شخصيته بهدوئها وطبيعتها وتوازنها مهما تقلبت عليها الأحوال، واختلفت عليها الطرائق.

إنسان فوق العادة!

قل إنسان إلا وله طبعه الخاص الذي يبين في بعض الحال ويستتر في بعض، ويترتب عليه استرواح لقوم دون آخرين، ويحكم العديد من مواقفه وتصرفاته حاشاه صلى الله عليه وسلم.

فهو يُقْبِل بوجهه على كل جليس، ويخاطب كل قوم بلغتهم، ويحدثهم بما يعرفون، ويعاملهم بغاية اللطف والرحمة والإشفاق، إلا أن يكونوا محاربين حملوا السلاح في وجه الحق، وأجلبوا لإطفاء نوره وحجب ضيائه.

كل طعام تيسر من الحلال فهو طعامه، وكل فراش أتيح فهو وطاؤه، وكل فرد أقبل فهو جليسه.

ما تكلف مفقودا، ولا رد موجودا، ولا عاب طعاما، ولا تجنب شيئا قط لطيبه، لا طعاما ولا شرابا ولا فراشا ولا كساء، بل كان يحب الطيب، ولكن لا يتكلفه.

سيرته صفحة مكشوفة يعرفها محبوه وشانئوه، ولقد نقل لنا الرواة دقيق وصف بدنه، وقسمات وجهه، وصفة شعره، وكم شيبة في رأسه ولحيته، وطريقة حديثه، وحركة يده، كما نقلوا تفصيل شأنه في مأكله، ومشربه، ومركبه، وسفره، وإقامته، وعبادته، ورضاه، وغضبه، حتى دخلوا في ذكر حاله مع أزواجه أمهات المؤمنين في المعاشرة، والغسل، والقسم، والنفقة، والمداعبة، والمغاضبة، والجد، والمزاح، وفصلوا في خصوصيات الحياة وضروراتها.

ولعمر الله إن القارئ لسيرته اليوم ليعرف من تفصيل أمره ما لا يعرفه الناس عن متبوعيهم من الأحياء، وما لا يعرفه الصديق عن صديقه، ولا الزوج عن زوجه، ولا كان أهل الكتاب يعرفون شيئا يقاربه أو يدانيه عن أنبيائهم وهم أحياء؛ وذلك لتكون سيرته موضع القدوة والأسوة في كل الأحوال، ولكل الناس.
فالرئيس والمدير والعالم والتاجر والزوج والأب والمعلم والغني والفقير.. كلهم يجدون في سيرته الهداية التامة على تنوع أحوالهم وتفاوت طرائقهم.

والفرد الواحد لا يخرج عن محل القدوة به صلى الله عليه وسلم مهما تقلبت به الحال، ومهما ركب من الأطوار، فهو القدوة والأسوة في ذلك كله.

وإنك لتقرأ سيرة علم من الأعلام فتندهش من جوانب العظمة في شخصيته فإذا تأملت صلاحيتها للأسوة علمت أنها تصلح لهذا العلم في صفته وطبعه وتكوينه، ولكنها قد لا تصلح لغيره.

ولقد يرى الإنسان في أحوال السالفين من الجلد على العبادة، أو على العلم، أو على الزهد ما يشعر أنه أبعد ما يكون عن تحقيقه حتى يقول لنفسه:

لا تـــعرضن لذكرنا مع ذكرهم
ليس الصحيح إذا مشى كالمقعدِ

منصب القدوة والأسوة

فإذا قرأ سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحس بقرب التناول وسهولة المأخذ، وواقعية الاتباع.

حتى لقد وقع من بعض أصحابه ما وقع
فقال لهم صلى الله عليه وسلم: "أنا أخشاكم لله، وأتقاكم له، وأعلمكم بما أتقي".

وقال: "اكلَفوا من العمل ما تطيقون".

وقال صلى الله عليه وسلم: "إن هذا الدين يسر، ولن يشادَّ الدينَ أحدٌ إلا غلبه فسددوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة، والقصدَ القصدَ تبلغوا".
ولهذا كان خير ما يربى عليه السالكون مدارسة سيرته وهديه وتقليب النظر فيها وإدمان مطالعتها واستحضار معناها وسرها، وأخذها بكليتها دون اجتـزاء أو اعتساف.
إن الله عز وتعالى لم يجعل لأحد وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا المنصب الشريف؛ منصب القدوة والأسوة؛ لأنه جمع هدى السابقين الذين أمر أن يقتدي بهم {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} إلى ما خصه الله تعالى وخيَّره به من صفات الكمال ونعوت الجمال،
ولهذا قال سبحانه: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً} [الأحزاب:21].

إن حياته صلى الله عليه وسلم وحياة خلفائه الراشدين هي المذكرة التفسيرية والترجمة العملية لنصوص الشريعة.
ومن الخير أن تظل هذه السيرة بواقعيتها وصدقها محفوظة من تزيد الرواة، ومبالغات النقلة التي ربما حولتها إلى ملحمة أسطورية تعتمد على الخوارق والمعجزات، وبهذا يتخفف الناس من مقاربتها واتباعها ليكتفوا بقراءتها مع هزِّ الرءوس وسكب الدموع وقشعريرة البدن.
إن الآيات التي تأتي مع الأنبياء حق، لكنها الاستثناء الذي يؤكد القاعدة، والقاعدة هي الجريان مع السنن الكونية كما هي.
وكثيرون من المسلمين، وربما من خاصتهم يستهويهم التأسي بالأحوال العملية الظاهرة في السلوك والعبادة وغيرها، فيقتدون به صلى الله عليه وسلم في صلاته "صلوا كما رأيتموني أصلي"، وحجّه "خذوا عني مناسككم"، وسنن اللباس والدخول والخروج..

وهذا جزء من الاتباع المشروع، بيد أنه ليس كله، ولا أهم ما فيه، فإن اتباع الهدي النبوي في المعاملة مع الله تعالى، والتجرد والإخلاص، ومراقبة النفس، وتحقيق المعاني المشروعة من الحب والخوف والرجاء أولى بالعناية وأحق بالرعاية، وإن كان ميدان التنافس في هذا ضعيفا؛ لأن الناس يتنافسون عادة فيما يكون مكسبة للحمد والثناء من الأمور الظاهرة التي يراها الناس، ولا يجدون الشيء ذاته في الأمور الخفية التي لا يطلع عليها إلا الله، وربما تحرى امرؤ صفة نبوية في عبادة أو عمل واعتنى بها وتكلف تمثلها فوق المشروع، دون أن يكلف نفسه عناء التأمل في سر هذه الصفة وحكمتها وأثرها في النفس.
وهذه المسائل -حتى التعبدية منها- ما شرعت إلا لمنافع الناس ومصالحهم العاجلة والآجلة، وليست قيمتها في ذاتها فحسب، بل في الأثر الذي ينتج عنها فيراه صاحبه ويراه الآخرون.
وإنه لخليق بكل مسلم أن يجعل له وردا من سيرة المصطفى عليه السلام،
- إن كان ناشئا فمثل (بطل الأبطال) لعزام،
- وإن كان شابا فمثل (الشمائل المحمدية) لابن كثير أو الترمذي، و(الفـصول) لابـن كثير، أو (مختصر السـيرة) أو (الرحيق المختوم) أو (تهذيب سيرة ابن هشام)
- وإن كان شيخا فمثل (سيرة ابن هشام) أو (ابن كثير)، - وإن كان متضلعا بالمطولات فمثل (سبل الهدى والرشاد) وكتاب (نضرة النعيم).

رزقنا الله حب نبينا صلى الله عليه وسلم وحسن اتباعه ظاهرا وباطنا وحشرنا في زمرته مع الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.

اذا اعجبك الموضوع و اردت نشره في المنتديات الاخرى فاستخدمي هذا الرابط:
الصحبة الصالحة ,, محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم
http://forums.fatakat.com/thread30379

  #2  
قديم 14-6-2008
الصورة الرمزية أم الطيب
أم الطيب
مشرفة أقسام الطبخ
ربة منزل - مصرية (تعيش في الجيزة - مصر)
أم الطيب متواجدة حالياً
تاريخ التسجيل: 7/2007
المشاركات: 4,716
المواضيع: 367
رد: الصحبة الصالحة ,, محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم
جزاك الله خيرا يا صراحة..
مجهود رائع وجميل تسلمي يا قمر.
  #3  
قديم 14-6-2008
صراحة
فتكات نشيطة
موظفة - مصرية (تعيش في الغربية - مصر)
صراحة غير متواجدة حالياً
تاريخ التسجيل: 4/2008
المشاركات: 142
المواضيع: 24
رد: الصحبة الصالحة ,, محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم
3-السيرةالنبوية


السيرة النبوية
- أهمية دراسة السيرة النبوية ومعرفتها
- التثبت والتوثق من سيرة الرسول
- معرفة تفاصيل سيرة الرسول
- دعم صدق نبوة محمد
- معرفة عظمة الإسلام وقوته
- أهم مزايا السيرة النبوية
- أولا التوثيق المعتمد على الرواية المسندة المتصلة
- ثانيا التدوين المبكر للسيرة النبوية:
- ثالثا الشمول والوضوح
- مصادر السيرة النبوية
وأهم هذه المصادر ثلاثة وهي:
- القرآن الكريم
- السنة النبوية
- الكتب المؤلفة في السيرة
- نسب النبي
- الجذور الأولى للنسب الفاضل
- نسب النبي
- الطفولة والصبـا
- الزواج والرجولة
- الوحي والنبوة
أهمية دراسة السيرة النبوية ومعرفتها

لدراسة السيرة النبوية اهمية عظيمة فى مسيرة الحياة البشرية فإذا كان العظماء والقادة دائما يحرصون على كتابة مذاكراتهم وسيرهم

الذاتية حتى يتلمس الناس فى تلك السيرة مواطن الاقتداء والأستفادة

, إذا كان الأمر كذلك فإن سيرة النبى محمد صلى الله عليه وسلم هى أولى السير بالدراسة , وتمكن أهمية دراسة السيرة النبوية فى النقاط الأساسية الآتية : -
التثبت والتوثق من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم

التثبت والتوثق من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم

1- التثبت والتوثق من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم لأن سيرته صلى الله عليه وسلم تعد رسمًا لطريقه التى سلكها , وقد أمرنا الله تعالى بإتباع هديه , فكان لا بد من توثيق وإثبات كل ما ينسب إلى سيرة النبى صلى الله عليه وسلم لأن ذلك أصل من أصول الدين . لذلك إمتلأ القرآن الكريم بذكر سير الأنبياء السابقين , وقد ذكر الله تعالى الحكمة من ذلك فى كثير من الآيات من ذلك
قوله تعالى : {وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءكَ فِي هَـذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ }هود120
بعد أن ذكر الله تعالى تسعة عشر رسولا فى آيات متتالية فى سورة الأنعام أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالأقتداء بهديهم
فقال تعالى : {أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ }الأنعام90

معرفة سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم
2- معرفة تفاصيل سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم حتى يمكن الأقتداء به فى جميع شئون الحياة , حيث كانت سيرته تطبيقا عمليا لأحكام الأسلام وسريعته , حتى لا يظن ظان أن هذه الأحكام غير قابلة للتطبيق
وقد قال الله تعالى : {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً }الأحزاب21
( ولما سئلت عائشة رضى الله عنها عن خلق الرسول صلى الله عليه وسلم قالت :
كان خلقه القرآن )

النسائى قيام الليل وتطوع النهار (1601) " أبو داود الصلاة (1342) .أحمد (6/216)الدارمى الصلاة (2475 )
دعم صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم

3- إن تقديم السيرة النبوية الموثقة بأسانيدها المتصلة إلى مصادرها الأصلية المتضافرة , والتى تبين كل ما يتعلق بحياته صلى الله علية وسلم بجميع تفاصيلها سواء كان فى شئونه الخاصة أو العامة ،
مهما بلغت تلك التفاصيل من خصوصية، وسرد الحوادث التاريخية التي صاحبت تلك الحقبة مع وجود الآثار المادية التي تؤكد البحوث العلمية صحتها ومطابقتها للمذكور في الحوادث التاريخية كل ذلك يدعم صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لأنه مهما بلغ المرء من عظمة، فإن من العسير أن تتوافر له الظروف التي تمكن من متابعة جميع مسيرة حياته حتى من قبل ولادته إلى وفاته، فإذا تم ذلك لشخص، وتضافرت المصادر المتعددة على رصد وتسجيل مسيرة حياته، دون أن تختلف تلك المصادر على شيء ذي بال، إلا في أمور يسيرة تحتمل التأويل بيسر، دل ذلك على أن هذا ليس أمرًا طبيعيًا بل هو أمر خارق للمعتاد مما يؤكد رعاية الله له تصديقًا لنبوته.
معرفة عظمة الإسلام وقوته
4- معرفة عظمة الإسلام وقوته، عندما ندرك أن هذا الدين قد أرسى قواعده وأحكامه، وقلب موازين القوى السياسية والاجتماعية والثقافية لأجزاء كبيرة من الكرة الأرضية، ثم قدم نموذجًا حضاريًا قويًا ظل عطاؤه مستمرًا حتى يومنا هذا، وتظهر لنا هذه العظمة جلية إن علمنا أن هذا البناء الضخم قد تم تشييده في فترة وجيزة هي مدة حياته صلى الله عليه وسلم بعد الرسالة التي لم تجاوز ثلاثا وعشرين سنة فقط.
أهم مزايا السيرة النبوية
أولا : التوثيق المعتمد على الرواية المسندة المتصلة
عن طريق الثقات الأثبات الذين شاركوا الرسول صلى الله عليه وسلم فترات حياته ثم التابعين الذين عاصروا الصحابة وسمعوا منهم وحملوا عنهم. فالصحابة عاشوا مع النبي صلى الله عليه وسلم وشاركوا في صياغة سيرته ثم امتدت حياة الكثيرين منهم لفترة طويلة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم فعاشوا مع التابعين فترة طويلة، فلو علمنا أن من الصحابة من امتدت به الحياة إلى سنة مائة أو بعدها بقليل من الهجرة فقد توفى أبو الطفيل عامر بن واثلة عام 101هـ ومحمود بن الربيع 99هـ وعبد الله بن بسر المازني 96هـ وأنس بن مالك 93هـ رضى الله عنهم. وقد علمنا أن تدوين السنة رسميًا قد بدأ في عهد عمر بن عبد العزيز رحمه الله وكانت وفاته سنة (101) هـ إذا علمنا ذلك كله ثبت لنا أن تتابع التلقي للسنة والسيرة لم ينقطع قط، ولم تكن هناك فترة فاصلة بين التدوين والتلقي عن الرسول صلى الله عليه وسلم ثم الصحابة ثم التابعين.
ثانيا : التدوين المبكر للسيرة النبوية
فقد بدأ تدوين السنة والسيرة النبوية جنبًا إلى جنب منذ وقت مبكر في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وذلك بكتابة الأحاديث التي تتعلق بالحوادث التي وقعت في زمنه صلى الله عليه وسلم مثل بعثته صلى الله عليه وسلم وبداية نزول الوحي عليه وما لقيه بمكة قبل الهجرة ثم هجرته إلى المدينة، وهجرة بعض أصحابه إلى الحبشة قبل ذلك، وزيجاته صلى الله عليه وسلم وغزواته وأسفاره وغير ذلك من الأمور التي تتعلق بشخصه وسلوكه في حياته كلها. فكل هذه الأمور مثبتة في السنة وكتبها.
أما التدوين الشامل للسيرة فقد بدأ منذ عهد معاوية بن أبي سفيان رضى الله عنه حيث كان عبد الله بن عباس المتوفى سنة (68) هـ رضى الله عنه يدرس تلاميذه نسب النبي صلى الله عليه وسلم ومغازيه وكان تلاميذه يدونون ذلك، وكذلك فعل عبد الله بن عمرو بن العاص رضى الله عنهما المتوفى سنة (63) هـ ومثلهما البراء بن عازب رضى الله عنه المتوفى سنة (74) هـ حيث كان يملي تلاميذه مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وفي عصر التابعين -الذين عاصروا الصحابة وأخذوا عنهم - بدأ التأليف في السيرة فقد ألف كتاب عروة بن الزبير بن العوام المتوفى سنة (93) هـ وهو ابن الصحابي الجليل الزبير بن العوام - ألف كتاب (مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم)
وكان أهم تأليف للتابعين هو كتاب أبان بن عثمان بن عفان المتوفى سنة(105) هـ وهو ابن خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أتم كتابه في السيرة والمغازي قبل سنة (83) هـ ثم كتاب وهب بن منبه المتوفى سنة (110) هـ وتوجد قطعة من كتابه (المغازي) في مدينة (هيد لبرغ) بألمانيا. وكذلك موسى بن عقبة المتوفى سنة (141) هـ وتوجد أيضًا نسخة من كتابه (المغازي) في (مكتبة برلين) بألمانيا وهؤلاء جميعًا عاصروا الصحابة وأخذوا عنهم.
وأشمل كتابين في السيرة هما: (السير والمغازي) لمحمد بن إسحاق المتوفى سنة (151) هـ، و(السيرة النبوية) لابن هشام المتوفى سنة (213) هـ وكلا المؤلفين قد عاصر التابعين وأخذ عنهم.
ثالثا : الشمول والوضوح
فقد ثبتت تفاصيل سيرته صلى الله عليه وسلم بصورة شاملة وواضحة في جميع مراحلها منذ زواج أبيه عبد الله بأمه آمنة بنت وهب إلى ولادته صلى الله عليه وسلم ثم إلى بعثته صلى الله عليه وسلم بكل ما مر به قبل ذلك، ثم من نشر دعوته إلى وفاته صلى الله عليه وسلم فكل من أراد أن يعرف تفاصيل حياته صلى الله عليه وسلم يستطيع ذلك بيسر ومن مصادر متعددة ثابتة النسبة إلى مؤلفيها، موثوقة البيانات التاريخية بصورة علمية، فالرسول صلى الله عليه وسلم -كما قال أحد الناقدين الغربيين -

(هو الوحيد الذي ولد في ضوء الشمس)- فقد تضمنت كتب السنة والسيرة النبوية إضافة إلى القرآن الكريم، تضمنت كل تفاصيل حياته صلى الله عليه وسلم العامة والخاصة، فنحن الآن نعرف بدقة تامة جميع صفاته الخلقية والخلقية والسلوكية، فنعرف على سبيل المثال: لون بشرته وشكل أنفه ومنخره، وشكل فمه وأسنانه، ولون شعره وطوله وهيئة مشيته وجلسته، وكيفية كلامه وضحكه، وأحب الطعام إليه، وكيفية أكله وشربه بل حتى علاقاته الزوجية وسلوكه مع أزواجه‍ ! بل أبعد من ذلك إن آثار بيته وبقاياه، وقبره الذي دفن فيه موجود حتى الساعة، وبالإمكان التأكد من كل الصفات المنسوبة إليه بالوسائل العلمية الحديثة. فقد توفر لسيرته صلى الله عليه وسلم من الحفظ والصون ما لم يتهيأ لبشر من قبله ولن يتوفر لكائن من كان من بعده صلى الله عليه وسلم وهذه المزايا الثلاث تجعلنا على يقين تام بصحة هذه السيرة وأنها سيرة نبي خاتم هو محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم ونوقن يقينًا مبنيًا على أساس علمي منهجي بأنه رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أرسله الله تعالى إلى الناس كافة.
مصادر السيرة النبوية
تعد ميزة التوثيق صفة أساسية في كل التراث الإسلامي، وهذه خصيصة خص بها الله تعالى الرسالة الخاتمة وذلك من تمام حكمته، ذلك أن الدين الخاتم يجب أن يكون محظوظًا مصونًا حتى تتعاقب عليه جميع أجيال البشرية إلى قيام الساعة، لذا
قال الله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ }الحجر9
ومن تمام حفظ الذكر - وهو شريعة الإسلام كتابًا وسنة - حفظ سيرة من جاء به،
لذا قدر الله تعالى أن تحفظ سيرة رسوله صلى الله عليه وسلم في مصادر موثوقة متعددة،
وأهم هذة المصادر ثلاثة وهى :-
القرآن الكريم

1- القرآن الكريم: فقد جاء في القرآن الكريم كثير من سيرته صلى الله عليه وسلم فقد ذكر الله تعالى حال النبي صلى الله عليه وسلم منذ صغره في
قوله تعالى: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى }6 {وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى }7 {وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى } 8الضحى
وذكر حاله بعد بدء نزول الوحي عليه حين خاف وذهب إلى زوجه خديجة يقول لها:

( زملوني دثروني)،
فأنزل الله تعالى: َا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ{1} قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً{2} نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً{3} أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً{4} إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً{5} المزمل
كما أنزل عليه: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ{1} قُمْ فَأَنذِرْ{2} وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ{3} المدثر
وذكر قصة زواجه من زينب بنت جحش بعد طلاقها من زوجها زيد بن حارثة رضى الله عنه
فقال تعالى: { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً{36}

وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً
{37} مَّا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً{38} الأحزاب
وقد اشتملت هذه السورة - سورة الأحزاب -على كثير من تفاصيل سيرة النبي صلى الله عليه وسلم مع أزواجه وأصحابه كما تضمنت تفاصيل كثيرة عن غزوة الأحزاب.
ومما تضمنه القرآن من السيرة: الآيات النازلة عقب سؤال الصحابة أو غيرهم عن أمر من الأمور، كما حدث حين سألت اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم عن
الروح
فأنزل الله تعالى: { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً } 85 الإسراء
ومن أخص ما تضمنه القرآن من السيرة حادثة الإفك المفترى على زوجه صلى الله عليه وسلم عائشة رضى الله عنها ففّصل تلك الحادثة في أكثر من عشر آيات من سورة النور في الآيات
قال الله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ{11}


لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ{12}

لَوْلَا جَاؤُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاء فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ{13}

وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ{14}

إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ{15}
وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ{16}
يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ{17}
وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ{18}


إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ{19}

وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّه رَؤُوفٌ رَحِيمٌ{20}
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ{21}
وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ{22}
إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ{23}

يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ{24}
يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ{25}
الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُوْلَئِكَ مُبَرَّؤُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ{26}النور

السنة النبوية
2- السنة النبوية : وقد سبق أن بينا أن السنة النبوية قد حوت جل تفاصيل السيرة مما رواه النبي صلى الله عليه وسلم عن نفسه أو ما رواه عنه أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين. وقد ذكرنا ما يتعلق بثبوت هذا المصدر، والمنهج العلمي الدقيق الذي وضعه العلماء لدراسة السنة ومصادرها.
الكتب المؤلقة فى السيرة
3- الكتب المؤلفة في السيرة: وقد تتبعنا تسلسل التدوين لهذه الكتب، وذكرنا بأنه بدأ منذ عهد الصحابة رضوان الله عليهم، وفي عهد معاوية بن أبي سفيان تحديدًا بدأ التأليف الفعلي واستمر حتى عصر التابعين ومن بعدهم ويمكن مراجعة الفقرة المتعلقة بمميزات السيرة النبوية للوقوف على تفاصيل ذلك.
نسب النبي صلى الله عليه وسلم
الجذور الأولى للنسب الفاضل
لقد اختار الله تعالى محمدًا صلى الله عليه وسلم ليكون النبي الخاتم الذي بشر به الأنبياء السابقون عليهم السلام. فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ذا نسب شريف في قومه، إذ إنه كان من أعرق قبيلة عربية وهي قريش ومن أشرف بيت في تلك القبيلة، وهو بيت بني هاشم،
كما قال صلى الله عليه وسلم ( إن الله اصطفى كنانة من بني آدم، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى بني هاشم من قريش، واصطفاني من بني هاشم، فأنا خيار من خيار) مسلم الفضائل (2276)، الترمذي المناقب (3606)، أحمد (4/107).
وكان لهذا الاصطفاء أهمية، إذ كانت الأنظار تحيط ببيت النبي صلى الله عليه وسلم والمتمثل في هاشم الجد الأعلى للنبي صلى الله عليه وسلم لذا حفظت سيرة ذلك البيت وأحداثه التاريخية منذ أن انتقلت الزعامة إلى هاشم حيث تولى سقاية الحاج ورفادتهم، فأصبح قبلة وفخر قريش.
بعد وفاة هاشم تتبع الناس بأبصارهم وولائهم انتقال الزعامة إلى أخيه المطلب، الذي كان رجلًا عظيمًا مطاعًا ذا فضل في قومه. وكان لأخيه هاشم زوجة بالمدينة من بني النجار، ولها من هاشم طفل وضعته بعد موته وسمته عبد المطلب، فلما شب الطفل ذهب إليه عمه المطلب فأخذه من يثرب إلى مكة حيث تربى بها. ثم إن المطلب مات بردمان بأرض اليمن، فولى الزعامة بعده ابن أخيه عبد المطلب، فأقام لقومه ما كان يقيمه آباؤه من السقاية والرفادة وولاية شئون الناس، فشرف في قومه شرفًا لم يبلغه أحد من آبائه، وكان أعظم ما حدث له أنه رأى في المنام آمرًا يأمره بحفر بئر زمزم، وتكررت له هذه الرؤيا ثلاث ليال، فعرف أن الأمر حق، ففعل كما أمر، إذ حفر بئر زمزم التي لا يزال ماؤها ينضح حتى اليوم.
ثم إن عبد المطلب ولد له عشرة من البنين، منهم عبد الله، وهو أحب أبنائه إليه، وكان لعبد الله هذا واقعة مهمة مع أبيه جذبت أنظار قريش إليه، ذلك أن عبد المطلب كان نذر أن يذبح أحد أبنائه قربانًا لله تعالى إن رزقه عشرًا من البنين، فلما بلغوا عشرا أقرع بينهم، فوقع السهم على عبد الله، فأعاد ذلك فخرج عليه مرة أخرى، فذهب به إلى الكعبة ليذبحه وفاءً نذره، فمنعته قريش من ذلك لما كان لها من حب لعبد الله، ثم إن عبد المطلب لجأ إلى عرافة لترى له مخرجًا من نذره، فأخبرته أن يقرع مرة أخرى فإذا خرج السهم على عبد الله جعل محله عشرة من الإبل، ثم يعيد ذلك كلما خرج السهم على عبد الله، ولم يخرج السهم على الإبل حتى بلغت المائة عندئذ خرج عليها، فنحرها عبد المطلب جميعًا فداء لابنه، ففرحت قريش بذلك.
وقد كانت هذه الواقعة تقديرًا من الله تعالى، إذ إن عبد الله هذا هو والد النبي محمد صلى الله عليه وسلم
وقد أشار صلى الله عليه وسلم لذلك بقوله:
( أنا ابن الذبيحين)
يشير بذلك إلى قصة جده إبراهيم الخليل عليه السلام حيث أمره الله تعالى بذبح ابنه في رؤيا رآها، وقصة جده عبد المطلب هذه مع أبيه عبد الله.
بهذه النبذة اليسيرة يتبين أن مكانة أسرة النبي صلى الله عليه وسلم.
جعلت أحداثها تحظى بالاهتمام والمتابعة، مما جعل أهم تفاصيلها معلومة بدقة تامة، حتى زواج عبد الله من آمنة بنت وهب بن عبد مناف ابن زهرة بن كلاب، ووفاة عبد الله بعد هذا الزواج الذي خلف لعبد الله ابنه الوحيد من آمنة والذي ولد بعد وفاته بقليل وكان هذا المولود هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، رسول الله صلى الله عليه وسلم.

نسب النبي صلى الله عليه وسلم


لقد اشتهرت العرب بالاهتمام بالأنساب ومعرفتها متصلة متسلسلة بدقة تامة، لذا حفظ التاريخ كثيرًا من التراث النسبي في مؤلفات كثيرة تذكر أنساب القبائل وفروعها، ومما حفظته المصادر، نسب النبي صلى الله عليه وسلم إذ اتفقت جميع المصادر على سلسلة نسببه صلى الله عليه وسلم بلا خلاف يذكر رواية وكتابة، فنسبه صلى الله عليه وسلم هو: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هشام بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر - وهو الملقب بقريش، وإليه تنسب القبيلة - ابن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد ابن عدنان.
الطفولة والصبا
لقد سجلت المراجع التاريخية المروية بأسانيد متصلة إلى جميع المصادر الثابتة منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضى الله عنهم - تفاصيل نشأة النبي صلى الله عليه وسلم وما مر بها من أحداث خلال فترة الطفولة والصبا، فذكرت تلك المصادر أنه صلى الله عليه وسلم بعد ولادته تولت إرضاعه حليمة السعدية، حيث كانت عادة العرب أن تدفع بأطفالها إلى نساء البوادي ليقمن بإرضاع الأطفال في البادية حتى ينشأوا على الفصاحة، والفطرة السليمة، والقوة البدنية.
وقد روت المصادر الإرهاصات التي حدثت لحليمة وزوجها منذ أن حل بهم الطفل الجديد - محمد صلى الله عليه وسلم - إذ تحول حالهما من العسر إلى اليسر، فقد أصبحت شاتهم العجفاء دارة للبن، وحتى حليمة ذاتها أصبح ثديها مدرارا للبن لأنها رضيع النبي صلى الله عليه وسلم وغير ذلك مما روته حليمة فيما ذكرته المصادر.
وقد بقى الصبي مع حليمة حتى بلغ الخامسة من عمره، وما أعادته إلا أنها خافت عليه من واقعة حدثت له، وهي حادثه شق الصدر.
ذلك أن (ملكين جاءاه صلى الله عليه وسلم وهو بين صبية يلعبون فأخذاه وشقا صدره وأخرجا قلبه وغسلاه في طست ثم أعاداه موضعه فالتأم الجرح كأن شيئًا لم يكن) ( البخارى التوحيد (7079 ) , مسلم الأيمان (162 ) , النسائى الصلاة (452 ) , أحمد (3/288)
فلما حكى الصبية وفيهم صلى الله عليه وسلم هذه الحادثة لحليمة وزوجها خافا عليه خوفًا شديدًا فقررا إعادته إلى ذويه بمكة، ولكن ما بلغ الصبي السادسة من عمره حتى توفيت أمه آمنة ، فتولى تربيته جده عبد المطلب فلما بلغ الصبي ثماني سنين وشهرين وعشرة
أيام توفى جده عبد المطلب فانتقلت رعايته إلى عمه أبي طالب، فبقى بكنفه حتى بلغ أربعين سنة. وكان صلى الله عليه وسلم في أول شبابه عمل في رعي أغنام قريش على دراهم يعطونها إياه على ما هي عليه سنة الأنبياء من قبله.

الزواج والطفولة
كان صلى الله عليه وسلم مميزًا في شبابه كما هو مميز في طفولته وصباه، فقد برزت فيه أسمى الصفات الخلقية حتى إن قريش لقبته بالأمين، وكانت تضع عنده أماناتها، فلما كانت هذه حاله في قومه فقد جذبت هذه الخصال إليه سيدة قريش وصاحبة التجارة والمال فيهم خديجة بنت خويلد، فأوكلت إليه الاتجار في مالها فكان نعم التاجر الأمين فجرى على يديه لتجارتها نمو كبير، فلما رأت همته وصدقه وأمانته وخصاله الحسنة عرضت عليه الزواج من نفسها وهي بنت الأربعين وهو ابن الخامسة والعشرين فأجابها وتم الزواج، وبقى معها زوجًا وفيًا حتى بلغ الأربعين من العمر.
وكان أعظم ما مر به مع قريش قبل النبوة، أن قريشًا أرادت أن تعيد بناء الكعبة بعد أن تهدم جزء منها ففعلت حتى إذا بلغت موضع الحجر الأسود، وهو حجر معظم فيها اختلفت قريش فيمن يكون له شرف وضع ذلك الحجر في موضعه واشتد خلافهم حتى أوشكوا أن يفتتنوا، إلا أنهم رضوا برأي من أشار عليهم بتحكيم أول مارّ بهم، فكان أول من مرّ بهم هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، فلما رأوه هللوا جميعًا فرحًا: رضينا بالأمين حكمًا. فعرضوا عيه الأمر، فطلب منهم ثوبًا وضع عليه الحجر الأسود وطلب من كل فريق أن يرشح واحدًا منهم، فرشحت كل قبيلة واحدًا منها، وطلب منهم أن يأتوا فيرفعوه جميعًا، حتى إذا بلغوا به موضعه من الكعبة أخذه هو صلى الله عليه وسلم فوضعه في مكانه، فازداد بهذا الحدث ذكره عند قريش وغيرهم.
الوحي والنبوة
مما يجدر ذكره قبل التعرض للوحي والنبوة، واقعة مهمة حدثت في حياة محمد صلى الله عليه وسلم ذلك أنه لما بلغ العاشرة - أو يزيد قليلًا - خرج به عمه أبو طالب في رحلته التجارية إلى الشام، حتى بلغوا بصرى، وهي بلدة في الطريق إلى الشام، التقوا فيها براهب يدعى بحيرا، واسمه جرجيس، نزل عنده الركب، فأكرمهم وأحسن ضيافتهم، ثم إنه رأى معهم الصبي محمد بن عبد الله، فعرفه بوصفه المذكور في كتبهم، فقال وهو آخذ بيد الصبي: هذا سيد العالمين، هذا يبعثه الله رحمة للعالمين، ثم سأل عن أبيه، فقال أبو طالب أنا أبوه، فقال بحيرا: لا ينبغي أن يكون أبوه حيًّا.
فأخبره أبو طالب بقصته فقال له بحيرا: هذا هو النبي الذي بشر به عيسى، وإنا نجد صفته في كتبنا، ثم قال: احذره من يهود. وقد شب صلى الله عليه وسلم بمكة حتى بلغ الأربعين متميزًا بخصاله التي بهرت من حوله، فقد كان قوي الفطنة، طيب المعشر، جميل السيرة، سليم السريرة، كامل الخلق والخلق، تام المروءة، عالي الهمة طويل الصمت في التأمل والتفكير، محبًا للخلوة معتزلًا للهو والعبث، هاجرًا للأوثان، مطمئن القلب، سامي النفس، حتى إذا كان قريب عهد من النبوة حببّ إليه الخلاء. فكان يخلو بنفسه الليالي ذوات العدد يخلد فيهن إلى غار حراء يتحنث فيه، متأملًا متدبرًا.
ثم توالت آثار النبوة تلوح عليه، وكان أعظم ذلك الرؤيا الصادقة، فكان لا يرى شيئًا في منامه إلا كان مثل فلق الصباح في تحققه حتى مضى على ذلك ستة أشهر، ثم نزل عليه الوحي بالقرآن الكريم وهو متحنث في غار حراء، وذلك شهر رمضان في السابع والعشرين منه - على الأرجح –
وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم فيما روته عنه عائشة زوجه رضى الله عنها قالت: أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي، الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى شيئًا إلا جاء مثل فلق الصبح. ثم حبّب إليه الخلاء، فكان يخلو بغار حراء يتحنث فيه - أي يتعبد فيه- الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة -زوجه - فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ. قال صلى الله عليه وسلم فقلت: ما أنا بقارئ فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ فقلت: ما أنا بقارئ. فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني
فقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ{1} خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ{2} اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ{3} الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ{4} عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ{5} العلق
فرجع بها رسول الله يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد، فقال زمّلوني زملونّي، فزمّلوه حتى ذهب عنه الرّوع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: لقد خشيت على نفسي، فقالت خديجة: كلا والله، ما يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم وتحمل الكّل وتكسب المعدوم، وتقرى الضيف وتعين على نوائب الدهر.
فانطلقت به خديجة إلى ورقة بن نوفل بن عبد العزّى -، ابن عم خديجة - وكان امرءا تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخًا كبيرًا قد عمى -فقالت له خديجة: يا ابن عم، اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى. فقال له ورقة: هذا الناموس الذي أنزل على موسى - عليه السلام - يا ليتني جذعًا، ليتني أكون حيًا إذ يخرجك قومك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أو مخرجي هم؟ قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا. ثم لم ينشب ورقة أن توفي، وفتر الوحي}.
بعد هذه الواقعة استمر نزول الوحي بالقرآن الكريم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ثلاثة عشر سنة، ثم بالمدينة النبوية بعد الهجرة عشر سنين، حتى اكتمل نزول القرآن، فكان هو الكتاب المتضمن لمعجزة النبي صلى الله عليه وسلم في لغته ومضمونه ومعانيه، بما حواه من أخبار وآيات في الآفاق والأنفس، وحقائق علمية معجزة بجانب كونه الكتاب المتضمن لشرائع الإسلام وأحكام به.
وقد قضى النبي صلى الله عليه وسلم سنين بعثته الأولى وهي ثلاث عشر سنة بمكة التي اضطهده فيها أهلها وأخرجوه منها مهاجرًا إلى المدينة المنورة التي أنشأ فيها دولة الإسلام وتكاملت بها تشريعات الإسلام وتوسعت دائرته إلى خارج الجزيرة العربية حتى توفاه الله تعالى في السنة العاشرة للهجرة.



اللهم ارزقنا حبك وحب من يحبك وحب العمل الصالح الذي يقربنا إلى حبك وارزقنا الإخلاص في القول والعمل
واجمعنا مع نبينا في مقعد صدق عند مليك مقتدر
( اللهم آمين )
أشهد أن لا إله إلا الله و أشهد أن محمد رسول الله .
- اللهم صلَ على محمد وعلى آل محمد وعلى أصحاب محمد وأجعلنا على الاسلام ثابتين لفرائضك مؤدين وبسنة نبيك محمد (صلى الله عليه وسلم) متمسكين وعلى الصلاة محافظين وللزكاة فاعلين ولرضاك مبتغين وبقضائك راضين واليك راغبين
ياحي ياقيوم انك جواد كريم برحمتك يا أرحم الراحمين.
وصلَّ الله على سيدنا محمد.. خير مولود وأحسن مخلوق.. صاحب الشرع المحمود.. والحوض المورود.. واللواء المعقود.. والذي كشف الهم بالسجود.. والشفيع في اليومالمشهود..و على آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.. وآخر دعوانا أن الحمد لله ربالعالمين.



  #4  
قديم 14-6-2008
صراحة
فتكات نشيطة
موظفة - مصرية (تعيش في الغربية - مصر)
صراحة غير متواجدة حالياً
تاريخ التسجيل: 4/2008
المشاركات: 142
المواضيع: 24
رد: الصحبة الصالحة ,, محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم
4- محمد r في القرآن والسنة

- نبوة محمد صلى الله عليه وسلم .
- هذه آيات باهرات ، ومعجزات ظاهرات ، لم يستطيعوا دَفعها ولا ردّها في حقيقة الأمر ، وإنما ردّوها ظلما وعُلوّاً


الحمد لله الذي كرّم الإنسان بالإيمان ، ومَيّزه بالعقل ، ولم يَجعله كسائر المخلوقات ، تعيش بلا هدف ، أو تعيش لغيرها ، بل جَعَله مُفكِّراً ، يَسمو بِفكره ، ويُعمِل عقله .ومن هنا
قال الله تعالى : ( وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ) [الإسراء:70] .
هذا التكريم الرباني هو في الأصل للأصل ، أي لِجنس النوع الإنساني ، إلا أن الإنسان بِنفسه يسمو بالإيمان ، أو يَنحطّ بانعدامه .
وقد جَعَل الله له اختياراً ، وأعطاه عقلاً ، وأوضح له السَّبيل ، وأبَان له الطريق
قال الله تعالى (إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (2) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا) [الإنسان:2 ، 3] .
وقال رب العزة سبحانه عن هذا الإنسان : (أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (9) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ) [البلد:8-10] .
ومِن عدل الله وحِكمته أن أرسل الرُّسُل ، وأنْزَل الكُتب ، وأقام البيّنات ، ونَصَب الأدلّـة على وحدانيته .
فأيّـد رُسُله بالمعجزات والآيات الباهرات ، فلم يَبْق أمام أعداء الرُّسُل – بل وأعداء العَقْل – إلا المكابَرة والمعانَدة .
فإن إنكار الوحدانية لله دَفْع بِالصَّدْر ، وضَرب بالوجْه .
فإن النفوس شاهدة بأن الله ليس له شريك .
بل الوجود أجمع شاهد بذلك .
وقد ضرب الله الأمثلة على ذلك ، فمن ذلك
قوله تعالى : (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا) [الأنبياء:22]
أي لو كان في الأرض والسماء آلهة مُتعددة لَفَسَدتِ السماوات والأرض ، فالعقل والمنطق يقول : إما أن يتغلّب إله على إله على آخر ، فيكون الغالِب هو المتفرِّد ، وإما أن يَذهب كل إلهٍ بما له من مُلك ومكان وخَلْق ، وهنا يَفسد أمر السماوات والأرض ، ولذا
قال رب العزة سبحانه : (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ) [المؤمنون:91]
ومِن هنا فإننا ندعو كل إنسان مُنصف عاقل أن يتأمل في هذا المعنى ، وأن يَعلم أن دعوة رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم لم تَخرج عن دعوات الأنبياء السابقين ، بل هي مُنتظمة في سِلكهم ، سائرة في طريقهم ، مُقتفية آثارهم ، ومن هنا
قال رب العزة سبحانه : (قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ) [الأحقاف:9] .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنا أولى الناس بابن مريم ، والأنبياء أولاد علات ، ليس بيني وبينه نبي . رواه البخاري ومسلم .
وفي رواية لمسلم : أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الأولى والآخرة . قالوا : كيف يا رسول الله ؟ قال : الأنبياء إخوة من علات ، وأمهاتهم شتى ، ودينهم واحد ، فليس بيننا نبي .
ودعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم استجابة لدعوة أبي الأنبياء إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام ، حينما قال : (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [البقرة:129] .
هي بِشارة نبي الله عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام .
قال الله تبارك وتعالى : (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ) [الصف:6] .
ونحن إذ نَضع بين يدي القارئ هذا الموضوع لنرجو الله وندعوه أن يَفتح به أعيناً عُمياً ، وآذانا صُمّـا ، وقلوباً غُلْفا .
ونضع بين يدي القارئ
أعظم إنسان في العالم [ محمد صلى الله عليه وسلم ]
لِيَقف بنفسه على بعض البشارات التي وَرَدتْ في الكُتب المتقدمة من كُتُب أهل الكتابات ، والتي كانت سببا في إسلام الكثيرين من أهل الكتاب .
كما نضع بين يديه إشارات إلى البشارات من خلال واقع مُعاصِريه صلى الله عليه وسلم ، سواء ممن آمن به أو ممن لم يؤمن به ، وإن كان أضمر ذلك في نفسه ، وأقرّ به في قرارة نفسه .
كما نُشير إلى طريقة القرآن في إثبات

نبوة محمد صلى الله عليه وسلم .

وأشرنا إلى الأدلّـة العقلية التي تقتضي صِدق

نبوة محمد صلى الله عليه وسلم .

وأن دعوته ليست بِدعاً من الدعوات ، وهو لم يُخالِف الرُّسل والأنبياء في أصل الدعوة إلى وحدانية الله وإفراده بالعبودية .
بل هذا أمر اتّفقت عليه الرسالات ، وتتابع عليه الأنبياء ، وأقر به الموحِّدون على مرّ الأزمان ، حتى كان ذلك الإقرار في فترات خَلتْ من الرُّسُل ، كتلك الفترة التي سَبَقتْ مَبعثه صلى الله عليه وسلم ، فقد وُجِد فيها من أفراد الناس من يُوحِّد الله ، ولا يأكل ما ذُبِح لغير الله ، وكان هؤلاء يُنكرون عِبادة غير الله .
وقد آن أن نترك القارئ مع محاور هذا الموضوع ، وهي كالتالي :
1- أعظم إنسان في العالم في القرآن والسنه.
2- أعظم إنسان في العالم في كتب أهل الكتاب.

( أعظم إنسان في العالم في القرآن والسنه )

محمد صلى الله عليه وسلم في القرآن والسنة
لقد قرر الله في كتابه الْمُبِين نبوة نبيِّـه محمد صلى الله عليه وسلم بِطُرق كثيرة مُتنوّعة ، " يُعرَف بها كمال صِدقه صلى الله عليه وسلم ، فأخْبَر أنه صدَّق المرسلين ، ودَعا إلى ما دَعوا إليه ، وأن جميع المحاسن التي في الأنبياء فهي في محمد صلى الله عليه وسلم ، وما نُزِّهوا عنه من النواقص والعيوب فمحمدٌ أولاهم وأحقّهم بهذا التنْزِيه ، وأن شريعته مُهيمنة على جميع الشرائع ، وكتابه مُهيمن على كل الكُتُب ، فجميع محاسن الأديان والكُتُب قد جَمعها هذا الكتاب وهذا الدِّين ، وفَاق عليها بِمحاسِن وأوصاف لو تُوجَد في غيره ، وقرّره نبوته بأنه أميّ لا يَكتب ولا يَقرأ ، ولا جَالَس أحدا من أهل العلم بالكُتُب السابقة ، بل لم يُفجأ الناس حتى جاءهم بهذا الكتاب الذي لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله ما أتوا ، ولا قَدَروا ، ولا هُوَ في استطاعتهم ، ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً ، وأنه مُحال مع هذا أن يكون من تلقاء نفسه ، أو مُتقوّل ، أو متوهّم فيما جاء به . وأعاد في القرآن وأبدى في هذا النوع ، وقرّر ذلك بأنه يُخبِر بقصص الأنبياء السابقين مُطوّلة على الوجه الواقع الذي لا يستريب فيه أحد ، ثم يُخبر تعالى أنه ليس له طريق ولا وصول إلى هذا إلا بما آتاه الله من الوحي ،
كمثل قوله تعالى لما ذَكَر قصة موسى مُطوّلة :
{وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ }القصص46

{وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ }القصص44


وكما في قوله :{ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ }آل عمران44

ولما ذَكَر قصة يوسف وإخوته مُطوّلة
قال : {ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ }يوسف102

فهذه الأمور والإخْبَارات المفصّلة التي يُفصِّلها تفصيلا لم يتمكّن أهل الكتاب الذين في وقته ولا من بعدهم على تكذيبه فيها ولا مُعارَضته – من أكبر الأدلة على أنه رسول الله حقّـاً .
وتارة يُقرِّر نبوته بِكمال حكمة الله وتمام قُدرته ، وأن تأييده لرسوله ، ونَصْرِه على أعدائه ، وتمكينه في الأرض موافق غاية الموافقة لِحكمة الله ، وان مَن قَدَح في رسالته فقد قَدَح في حِكْمَة الله وفي قُدْرَته .
وكذلك نَصْره وتأييده الباهر على الأمم الذين هم أقوى أهل الأرض من آيات رسالته ، وأدلة توحيده ، كما هو ظاهر للمتأمّلين .
وتارة يُقرِّر نبوته ورسالته بما حازَه من أوصاف الكمال ، وما هو عليه من الأخلاق الجميلة ، وأن كل خُلُق عال سامٍ فَلِرَسول الله صلى الله عليه وسلم منه أعلاه وأكمله ؛ فَمَن عظُمت صِفته وفاقَتْ نُعُوته جميع الْخَلْق التي أعلاها الصِّدق . أليس هذا أكبر الأدلة على أنه رسول رب العالمين ، والمصطفى المختار من الْخَلْق أجمعين ؟
وتارة يُقرِّرها بما هو موجود في كُتُب الأولين ، وبشارات الأنبياء والمرسلين ، إما باسمه الْعَلَم ، أو بأوصافه الجليلة ، وأوصاف أمّته ، وأوصاف دِينه .
وتارة يُقرِّر رسالته بما أخبَر به من الغيوب الماضية ، والغيوب المستقبَلة ، التي وَقَعتْ في زمانه ، والتي لا تزال تَقَع في كل وقت ، فلولا الوحي ما وصل إليه شيء من هذا ، ولا له ولا لِغيره طريق إلى العلم به .
وتارة يُقرِّرها بِحفظه إياه ، وعِصمته له من الْخَلْق ، مع تكالب الأعداء وضغطهم ، وجدّهم التام في الإيقاع به بكل ما في وسعهم ، والله يَعصِمه ، ويمنعه ، وينصره ! وما ذاك إلا لأنه رسوله حقاً ، وأمِينه على وحيه .
وتارة يُقرِّر رسالته بِذِكْر عظمة ما جاء به ،
وهو القرآن الذي
{لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ }فصلت42
وتحدّى أعداءه ومَنْ كَفَر به أن يأتوا بمثله ، أو بِعشر سور مثله ، أو بِسورة واحدة ، فعجزوا ، ونكصوا ، وباؤوا بالخيبة والفَشَل ! وهذا القرآن أكبر أدلّـة رسالته ، وأجلّها ، وأعمّها .
وتارة يُقرِّر رسالته بما أظهر على يديه من المعجزات ، وما أجرى له من الخوارق والكرامات الدالّـة – كل واحد بِمفرَدِه منها ، فكيف إذا اجتمعت – على أنه رسول الله الصادق المصدوق ، الذي لا يَنطق عن الهوى ، إن هو إلا وحي يُوحى .
وتارة يُقرِّرها بِعظيم شفقته على الْخَلْق ، وحُنوّه الكامل على أمّته ، وانه بالمؤمنين رؤوف رحيم ، وانه لم يُوجد ، ولن يُوجَد أحد من الْخَلْق أعظم شفقة وبِـراً وإحساناً إلى الخلق منه ، وآثار ذلك ظاهرة للناظرين .
فهذه الأمور والطُّرُق قد أكثر الله من ذِكرها في كتابه ، وقرّرها بِعبارات مُتنوّعة ، ومعاني مفصّلة ، وأساليب عجيبة ، وأمثلتها تَفوق العد والإحصاء " [ بطوله من القاعدة السابعة من : " القواعد الحسان المتعلقة بتفسير القرآن " للشيخ السعدي رحمه الله ] .
فهذه الأمور التي قرّرها الشيخ وبسطها هي من ألأدلة العقلية المتّفقة مع الأدلة النقلية ، فالله تبارك وتعالى خاطَب العقول ، ولذا نَعى على العرب أنهم لا يُعمِلون عقولهم في رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ، وفيما جاء به رسول الله عليه الصلاة والسلام ، فمن ذلك :

قوله تعالى : ( أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ ) [الأعراف:169] .
وقوله تعالى : ( قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ ) [يونس:16] .
وقوله سبحانه وتعالى : ( إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) [يوسف:2] .
وقوله عز وجل : ( لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ ) [الأنبياء:10] .
إلى غير ذلك من الآيات التي خاطَبتْ عقول الناس ، أفلا ترون إلى هذا النبي الذي أُرسل إليكم ، لم يكن قبل اليوم يتلو من كتاب
( وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ ) [العنكبوت:48] ؟
كما أن هذا النبي الذي أُرسِل إليكم لبِث فيكم سنين عددا قبل بعثته ، فأنتم تعرفون خُلُقَه ، وتعرفون أمانته ، وهو ذو نسب فيكم ، بل هو من أشرافكم .
هذا خطاب للعقول السليمة أن تتفكّر وتتأمّل قبل أن تُكذِّب هذا الرسول الذي يأتيهم بأنباء الغيب ، والتي لم يَجِدوا لها مَدْفَع ، إلا أن يُدفَع في الصَّدْر ، ويُقال عن الشمس في رابعة النهار ليس دونها غيم : هذا ليل !
فمن ذلك أنه أخبر بنبأ غَلَبة الرُّوم – النصارى – فيما بعد ، وذلك في أَمَـدٍ قريب :
( غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5) وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) [الروم:2-6] .
وقد وَقَع هذا خلال الزمن الذي جاء به الوحي ، والذي حُدِّد بـ (بِضْعِ سِنِينَ) من الثلاث إلى التسع سنوات .
ودارت الأيام ، ودَالَتْ الرّوم على فارس ، وانتصرتْ الروم من بعد غَلَبِهم .
هذه آيات باهرات ، ومعجزات ظاهرات ، لم يستطيعوا دَفعها ولا ردّها في حقيقة الأمر ، وإنما ردّوها ظلما وعُلوّاً ،
كما قال تعالى عن آل فرعون مع موسى عليه الصلاة والسلام : ( فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آَيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (13) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ) [النمل:13، 14] .
ثم يُذكّرهم مع جحودهم ، بأن هذا النبي لو كان كاذباً لم يُمكّن له في الأرض ، ولا نَصَره الله على أعدائه ،
فقال تعالى : ( إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (40) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ (41) وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ (42) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (43) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ (44) لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ ) [الحاقة:40-46]
وهذه أدلة عقلية تُخاطِب العقول إن كانت تَعِي !
كيف يُمكِّن الله لمن كَذَب عليه ؟
وكيف يَنصر الله من زَعم أن الله أرسله ؟
( أي : لو كان كاذبا على الله لَقَصَمه ولم يُمكِّن له ولم يَنصره )
فإن سُـنّـة الله أنه يأخذ الظالم أخذ عزيز مُقتَدر ، وأنه يُملي للظالِم فإذا أخذه لم يُفلِتْه
والله لا يُحب الظالمين ، ولا يُحب الكاذِبين ، ولا يُصلِح أعمال المفسِدِين ،
قال تعالى : (إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ) [يونس:81] .
وقد نصر الله نبيَّـه مُحمدا صلى الله عليه وسلم ، وأظهر صدقه ، وأيّـده على أعدائه ، ونَصَره عليهم ، حتى طأطأت أمامه رؤوس الجبابرة ، وخضعت له صناديد قريش ، وبَلَغتْ دعوته المشارق والمغارِب ، واعترف بِصدقه القريب والبعيد ، والعدو الْمُحارِب .
وقد صدّقه أهل الكتاب ، وعرفوه بصفاته المذكورة في كُتبهم .
روى البخاري من طريق عطاء بن يسار قال : لَقيت عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قلت : أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة . قال : أجل والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صِفته في القرآن : يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحِرزا للأميين ، أنت عبدي ورسولي ، سَمّيتُك المتوكل ، ليس بفظ ولا غليظ ولا سَخّاب في الأسواق ، ولا يَدفع بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر ، ولن يقبضه الله حتى يُقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا لا إله إلا الله ، ويفتح بها أعينا عُميا ، وآذانا صُما ، وقلوبا غُلفا .
ومِن هنا فإننا نُخاطِب العقول التي تَعِي أن تتأمل في حياة ذلك الرجل العظيم ، الذي شهِد بنبوته كل مُنصِف من أهل الكتاب ، كعبد الله بن سلام الذي كان يَهوديا فأسلَم لما رأى وجه النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، فقال : قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فجئتُ في الناس لأنظر إليه ، فلما استثبتّ وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم عَرَفْتُ أن وجهه ليس بوجه كذّاب . رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه .
وهو الذي
قال الله في شأنه : {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَكَفَرْتُم بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ }الأحقاف10

ولذا ذهب غير واحد من المفسِّرين إلى أن المقصود بالآية هو عبد الله بن سلام رضي الله عنه .
فهو قد شهد شهادة الحق ، وأخبر أن صفة النبي صلى الله عليه وسلم في التوراة .وقصة إسلامه في صحيح البخاري وشهِد كذلك هرقل ( رئيس النصارى في زمانه ) بصدق نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم .
فإنه لما جاء كتاب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم إلى هرقل – عظيم الرُّوم – لم يَقُل : هذه رسالة خاصة بالعرب ، ولا بالأعراب ، كما لم يَقُل : هذا غير صادق ، وإنما قال لأبي سفيان – وكان أبو سفيان آنذاك مُشرِكاً – : فإن كان ما تقول حقاً فسيملك موضع قدمي هاتين ، وقد كنت أعلم أنه خارج لم أكن أظن أنه منكم ، فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشّمتُ لقاءه ، ولو كُنْتُ عنده لَغَسَلْتُ عن قَدَمِـه . رواه البخاري ومسلم .
وآمن به ملِك الحبشة ( النجاشي ) ، وقال عن القرآن – وقد سَمِع آيات من سورة مريم – فبكى حتى أخضل لحيته ، وبَكَتْ أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تُلْيَ عليهم ، ثم قال النجاشي : إن هذا والله والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة . رواه الإمام أحمد .

كما شهِد بنبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم غير واحد من اليهود ، مع أنهم لم يُؤمِنوا به إلا أنهم اعترفوا أنه هو الذي ذُكِر ووُصِف في التوراة .
يهود يشهدون بنبوة نبينا صلى الله عليه وسلم