قبل أن أبدأ هذه القصة ، أحب أن أعرفكم بنفسي ، اسمي( ريم باهر ) ، حالياً أبلغ من العمر اثنتين وعشرين سنة ، ثالثة اخوتي ، فأكبر اخوتي ( جاسر ) ، ثم ( خلود )، ثم أنا ، ثم وأخيراً ( رافد ) أخي الصغير .
ولربما اخترت لقب أغرب قصة حب ، ليس للمبالغة وإنما لأنكم لن تتوقعوها أو تستنتجوها .
بدأت القصة من اثنتي عشرة سنة ، كنت حينها في العاشرة من عمري ، بينما أختي ( خلود ) في الثانية عشرة من عمرها . كنا وكعادة العوائل السعودية نخصص يوماً لاجتماع العائلة ، يجتمع فيه كل الأقارب ، الرجال والكبار بجانب ، بينما النساء في الجانب الآخر ، وكنا نحن الصغار بينهم نلعب ونمرح ، وكانوا قد خصصوا يوم الأربعاء لهذا الغرض .
ولم يكن ينغص علينا أنا و( خلود ) ، في تلك الأيام سوى ابن عم لنا ، يدعى ( بسام ) ابن عمي ( مراد ) ، كان أشقى فتيان عائلتنا بلا منازع ، ولم يكن يحلى له سوى أذيتنا أنا و( خلود) بالذات ، ولا أعلم لماذا ! وأكثر من مرة تعرض لإهانات مني أو من أختي الذي ساعد تقاربها معه بالسن على أن تصفعه أكثر من مرة .
مرت الأعوام سريعةً جداً ، وأصبحت في الثانية عشرة من عمري ، بينما أصبحت ( خلود ) في الرابعة عشرة ، ورغم السنتين التي مضت لم يتغير ( بسام ) مطلقاً .
وذات مرة بدأ باستفزازي بشكل كبير، مما اضطرني في النهاية أن أدفعه وبكل قوتي ، ولم أدري به إلا وقد سقط على حافة الدرج ، فاقتربت منه وأنا خائفة ، وقلت له : هيا لا تتظاهر بالموت .
ولكني عندما شاهدت تلك الدماء التي تنزف من رأسه بغزارة ، توقفت فجأة ، ثم صرخت بأعلى صوتي ، وبدأت أبكي بشدة ، ولم أشعر بأهلي الذين تجمعوا حول ( بسام ) وحولي ، حتى أغمي علي . كنت أنا أكثر بنات عائلتنا خجلاً ، وخوفاً ، ورقة ، وكان يمكن لأي حادثة أن تبكيني . كنت بيضاء البشرة مثل ( خلود ) ، متوسطة الطول ، عيناي سوداوان ، إلا أن ( خلود ) كانت عيناها السوداوان تبرقان ، وكان شعرنا أسوداً أيضاً . بينما كانت أختي ( خلود ) لها نفس الصفات التي تميزت بها شخصيتي بخلاف أن لديها شخصية قوية ، وكانت تحاول أن تخفي أي علامة لضعفها ، وقد كنت أغار منها أحياناً فقد كانت تلقى دوماً معاملة خاصة من أهلي بخلافي أنا .
استيقظت في صباح اليوم التالي ، ثم تذكرت الذي حدث ، فذهبت إلى ( خلود ) ، وسألتها عما حدث بعدما أغمي علي ، فارتبكت قليلاً ، ثم أخذتني إلى غرفتها ، وقالت لي : اسمعي لا أريدك أن تنهاري ، ولا تبكي ، كوني فتاة قوية الشخصية .
زاد هذا من ارتباكي ، وخوفي فقلت لها : ما الذي حصل ؟ بالله عليك أخبريني .
فتنهدت ثم قالت : لقد فقد ( بسام ) ذاكرته .
تطلعت فيها بذهول ثم قلت : ماذا ؟!
قالت : لا تخافي إنها حالة مؤقتة ، وسوف يرجع لحالته الطبيعية بإذن الله .
قلت وعيناي تذرفان الدموع : أنا السبب..
فأمسـكتني ( خلــود ) من كتفـي ، وقالت : قلت لك ، لا تبكي ، وكوني فتاة قوية . والآن تجـهزي فسوف نذهب لزيارته في المستشفى عله يتذكر شيئاً .
لبست بسرعة والخوف يكاد يقتلني ، وجلست ألوم نفسي ملايين المرات على الذي فعلته .
وذهبنا إلى هناك ، وكانت كل العائلة من حوله ، كل منهم يحاول أن يذكره بشيء ، ولكنه أبداً ، لم يتذكر . وقد بدا لي مختلفاً تماماً عما كان عليه في السابق ، حلت في عينيه طيبة بالغة ، عوضاً عن نظراته التي كانت مسعرة بالخبث . بل إنه كان صافياً شفافاً . ولو أمكننا التعبير بلغة الرياضيات ، لقلنا إنه نقيض ( بسام ) أو سالبه ( negative ) .
مرت علي أيام صعبة ، ومريرة ، كنت حينها أبكي كثيراً ، وكانت ( خلود ) تأتي لتخفف عني دمعة مُرة ، كنت كثيراً ما أبكي على ذراعيها وبين يديها ، رغم أن والدتي لم تمت ، ولكني لم أكن أرغب أبداً ، أن تعلم والدتي بأني أبكي . وفي نهاية الأمر قالت لي ( خلود ) : اسمعي أنت لم تخطئي أبداً ، لقد أخذتي منه ثمن المضايقات التي ضايقتك وضايقت الكثيرين ، ثم إنك مهما بكيت فلن يعيد ذلك من الأمر شيئاً . وغداً عندما نذهب إلى منزل جدي ، سترين أنه كان ينبغي لك أن تفعلي هذا من زمن طويل ، ؛ كي يكف عن مشاكساته .
وقد ساعدها الكلام في استعادة رباطة جأشي وطمأنينتي قليلاً .
وفي الغد ذهبنا إلى منزل جدي ، وكأني أراه لأول مرة رأيته في حياتي ، كان منزلاً كبيراً مكوناً من طابقين يجلس فيه النساء ، وتحيط به حديقة أبدع جدي في تنسيقها بالزهور الرائعة ، وقد خصص لأحفاده الكثير من الألعاب ، كالأراجيح وغيرها من الألعاب الصغيرة ، حيث كنا نجلس مع أترابنا في السن ، نقضي بعضاً من الوقت في المرح واللعب ، ولم ينس جانب الرجال فخصص لهم ملحقاً كبيراً لاجتماعهم .
وبعد نصف ساعة ، جاء ( بسام ) مع عائلته ، وحينها اتجهت إلى داخل المنزل ، لأتحاشى الالتقاء بــ( بسام ) ، ولكني في المقابل وجدت والدته ، وحاولت أن أتهرب منها ، رغم أنها كانت سيدة طيبة للغاية ، بل ورائعة جداً . ولما لاحظت هي هذا الشيء اقتربت مني وقالت : ( ريم ) .. أريد أن أحدثك ، تعالي إلى هنا .
تمنيت لحظتها أن تنشق الأرض أن تبتلعني ، ولكني جئت إليها ، وعيناي في الأرض ، فقالت لي : ما بك تتحاشين النظر في عيناي ؟
قلت لها بارتباك : لا.. لا شيء .
فقالت بابتسامة : أنا أعرف لماذا . ولكن الأمر لا يحتاج إلى كل هذا التهويل ، ثم أتعلمين -ودون أن تخبري أحداً - إنني فرحة .
فتطلعت لها بدهشة وقالت باستغراب : ماذا ؟!
قلت بنفس الابتسامة : لقد أصبح ( بسام ) شخصاً آخر تماماً الآن ، لقد أصبـح رائعاً جداً . وقد قـدر الله سبحـانه وتعـالى ، أن يحصل هذا بسببك .
وقد كانت هذه الكلمات بمثابة حبل نجاة ، انتشلتني من أوجاع كثيرة . وإن لم أصدق أن الكلام الذي قالته نابع من قلبها .
خرجت إلى الحديقة ، وأنا مسرورة ، ولكني وجدت ( بسام ) وأباه ، الذي كان يحاول أن يذكره . وكانت علامات النفي تدل على أن ( بسام ) لم يتذكر أي شيء . ولم أُمكنه من رؤيتي ، لأني كنت خائفة من أن يتطلع في وجهي ، وقد بدا لي غربياً ، فلأول مرة لاحظت أن شعره بني اللون ، وأن عيناه عسليان ، وأن بشرته كانت تميل قليلاً إلى السمرة . وكنت قد افتقدت شقاواته الكثيرة .
تكررت محاولات والد ( بسام ) في تذكيره ، على مدى شهر ، ولكن كل محاولاته قد تكللت بالفشل . وفي نهاية الأمر قرر والده أن يدعه يعيش حياة أفضل من حياته الأولى . وكان يحرص عليه بشدة . حاولت التودد إليه عله يتذكرني ولكن عبثاً كنت أحاول ، ولكنه كان متجاوباً معي ، ولم يكن غليظاً . وقد كنت خائفة من والده أن يقول لي كلمة وأنا أحاول التودد إليه ، ولكنه بالعكس قال لي : حاولي يا ( ريم ) أن تجعليه يتذكر .
وذات مرة - وبعد أن اعتدنا على ( بسام ) - طلبت منه ( خلود ) أن يلاعبنا وكانت بذلك تحاول أن تكسر الحاجز الأخير بيننا وبينه . ولكنه تطلع لها في هدوء واثق ، وقال : إني لا ألاعب الفتيات يا ( خلود ) .
فغضبت ( خلود ) جداً ، ولا أدري لماذا أحسست أنا بالعجز أو النقص . فقامت ( خلود ) ورفعت يدها التي ارتجفت قليلاً ، ثم اقتربت من وجهه لتصفعه ، ولكنه مد يده بسرعة وأمسكها في رفق ولين ، ثم تطلع لها بدهشة . وعندما نظرت إلى ( خلود ) وجدت في عينيها نظرة لم أرها من قبل ، خليط من الاستغراب وأنها لم تتوقع أن يحصل هذا . ونظرت لــ( بسام ) مرة أخرى ، الذي ابتسم وصفيت عيناه أكثر وأكثر ، ثم أنزل يدها في رفق ، وقال : أنا آسف ، لربما استعليت نفسي عليكما قليلاً ، هيا بنا لنلعب سوية .
قالت ( خلود ) وهي تخفض رأسها خجلاً : أنا آسفة .
وجرت خاجلة . وكانت هذه هي المرة الأولى التي أرى فيها ( خلود ) تهرب من موقف خجلاً ، ولم أرى ( خلود ) إلا في المنزل ، تفكر وهي تنظر في راحتها التي حاولت أن تصفع ( بسام ) بها . ولما سألتها عما بها ، تطلعت إلي ، ثم أمسكت كتفي ونظرت في عيني نظرات لن أرها من قبل ، وهمت أن تقول شيئاً ، ولكنها أخيراً قالت : فلنخلد للنوم الآن . وعندما ذهبت إلى الفراش تظاهرت بالنوم ، وأسمعتها شخيراً مزيفاً ، عندها نهضت من فراشها ، وظلت ترقب القمر مدة طويلة ، ولم أفهم تماماً حينها ، معنى تلك الوقفة .
كانت الأيام التي تلت الحادث فترة كانت ( خلود ) فيها دائمة التفكير . بينما أنا حينما كنت أذهب لاجتماع العائلة ، أخشى عندما يلعب معنا ( بسام ) أن أقترب منه .
وذات مرة جلست أنا وهو نتحدث سوية ، فسألني عن حاله السابق ،وعن حاله الآن ، فقلت له : بصراحة - وبدون أن تغضب - لم تكن مهذباً بالمرة ، كنت كثير المشاكسات ، وهناك قائمة كبيرة بالناس الذين تضرروا من أذيتك .
فقال : يا إلهي ، ألهذا الحد كنت سيئاً ؟!
فقلت له : ولكنك الآن إنسان آخر رائع مميز عن بقية العائلة ، وقد أحببتك .
لم أعرف كيف نطقت تلك الكلمة ، فتطلع لي في دهشة ، فتورد خداي من الخجل ، ولكني تداركت بسرعة : لم أقصد ذلك ، وإنما أعني أنني أعجبت بشخصيتك ، وبالتغير الذي حصل لك مقارنة بالسابق .
وبعدها لم أحادثه مطلقاً من شدة خجلي .
وعندما رجعت إلى المنزل ، جلست أفكر في الكلمة التي قلتها ، هل قلتها عن صدق أم لا ، واجهت نفسي بقسوة كي لا أتوهم ، ثم أدركت أني كنت طائشة إن فكرت أني أحبه .
ومرت الأيام إلى أن أتى اليوم التي بدأت فيها قصتي فعلياً . يومها كنا بمنزل جدي ، وناديت على ( بسام ) ، فرد علي ولكنه كان مختلفاً تماماً عن آخر مرة رأيته بها ، كانت عيناه تنطقان بالقوة والثقة ، والرقة في آن معاً . فقال لي بابتسامة مرحة لم أعهدها من قبل : نعم أيها النغم ، والنجم .
نظرت إليه بدهشة فلم أره يتكلم هكذا من قبل ، واحمر خداي من الخجل . وفجأة سقط أخي الصغير ( رافد ) ، فجلس يبكي . فجرى ( بسام ) إليه في مرح ، وحمله عالياً ، وأخذ يلاعبه قليلاً ، ثم غسل له وجهه ولاعبه أيضاً مرة أخرى ، حتى عادت له بسمته الماضية ، ثم أتى به إلي . نظرت فيه مبهورة ، ثم قلت له : شكراً لك .
فابتسم وقال : لا تشكريني ، فالسجان لا يشكر مسجونه .
ثم ذهب بسرعة .
رجعت إلى المنزل ، وكلماته في أذني ترن كآلاف الأجراس ، في تلك اللحظة فقط أحسست أني أحبه ، بل أعشقه . وبينما أنا أفكر نظرت إلى ( خلود ) التي انعقد حاجباها وهي تفكر بعمق ، فقلت لها : ما بك يا ( خلود ) ؟
قالت : أولم يكن ( بسام ) مختلفاً هذا اليوم ؟
قلت لها : هذا صحيح .
فقالت معقبة لكلامي : كأنه كان شخصاً آخر تماماً .
ثم قامت وخرجت من الغرفة .
انتظرت اليوم الذي أقابل به ( بسام ) بفارغ الصبر ، وعندما أتى يوم الأربعاء ، كانت سعادتي لا توصف ، وعندما قابلت ( بسام ) ذبت في عينيه القويتين ، وعندما جلست معه ، سحرت بحنانه وجاذبيته وجرأته الكبيرة . وبينما نحن نتكلم ، قال لي: أنت فتاة رائعة ووديعة جداً ومميزة .
فارتجف جسدي من أعلى رأسي إلى أخمص قدماي ، وتسارعت نبضات قلبي جداً . ولكن أخي ( جاسر ) ناداني فذهبت إليه .
وعندما ذهبنا إلى المنزل ، وبينما أنا أفكر دخلت علي ( خلود ) ، وهي غاضبة وقالت لي : ما الذي يريده منك ( بسام ) يا ( ريم ) ؟
ارتبكت ، وفكرت أن أقول لها ، ولكني وفي اللحظة الأخيرة قلت : لا شيء .
فقالت بغضب : أنت تكذبين .
فصرخت وبشدة : قلت لك لا شيء .. لا شيء .
فخرجت ( خلود ) وهي غاضبة مني ، فجلست أبكي على سريري مدة طويلة ، وزاد من حزني أن ( خلود ) لم تأتي كعادتها لتعتذر مني حتى حينما أكون أنا المخطأة ، كانت تأتي كأم حنونة ، كم من الليالي التي سهرت فيها على راحتي - في أيام مرضي - ، كم من موقف ضحت فيه بنفسها من أجلي . وكانت هذه هي المرة الأولى التي لم تحضر فيها ( خلود ) إلي ، فازداد بكائي . جلسنا أسبوعاً كاملاً لا نكلم بعضنا ، كنت أحاول أن أصالحها بأي شكل ، وبأي طريقة ، ولكنها كانت غاضبة مني جداً .
وأتى يوم الأربعاء ، ونسيت كل شيء . وحينما رأيت (بسام ) فرحت جداً ، ولكني لاحظت فجأة قبل أن أتكلم معه كلمة واحدة أنه متغير ، فلم تكن عيناه تمتلئ بالقوة ، وإنما بالشفافية والصفاء ، ثم أدركت فروقاً أخرى - حين تكلمت معه بحذر - فلم يكن جريئاً وإنما حذراً ، لم يكن حنوناً وإنما لطيفاً ، لم يكن مرحاً وإنما رزيناً . فارتبكت بشدة ، فلم أكثر الكلام معه أبداً ، ثم لم أره بعد ذلك .
عندما رجعنا إلى المنزل ، دُق الباب بلطف ، ثم دخلت أختي ( خلود ) ، واقتربت مني بهدوء ، وجلست جواري على الأرض بجانب السرير ، وقالت : ( ريم ) ، أنا آسفة لما فعلته بك يا أختي .
قالتها وفي عينيها دموع لم أرى أكثر صدقاً منها . ثم ضمتني إلى صدرها الحنون ، فزدت أنا من عناقها . ثم نمت وسط ذراعيها .
استيقظت في الصباح لأجد نفسي نائمة على سريري مغطاة بالفراش ، بينما كانت ( خلود ) على الأرض بجوار السرير بلا غطاء . فوضعت الفراش فوقها ، ولكنها استيقظت ، فقلت لها : صباح الخير .
فقالت وهي تتثاءب والابتسامة على وجهها : صباح الورد .
وتابعنا ذلك الأسبوع بحب وود بيننا . وفي يوم الأربعاء ، وقبل أن نذهب إلى منزل جدي ، جلست أفكر في التغيير الذي لاحظته على ( بسام ) الأسبوع الماضي ، وفجأة فتحت ( خلود ) باب الغرفة - التي هي غرفتنا سوية - ونظرت إلي قليلاً ثم قالت : ما بك يا ( ريم ) ؟
فترددت مرة أخرى ، هل أخبرها ؟ أم لا ؟ ولكني وبسرعة فضلت ألا أخبرها بالأمر ، فقلت : لا أبداً إنه مجرد .. .
أغلقت ( خلود ) باب الغرفة ، ثم جلست جواري مباشرة ، وتطلعت في عيني قليلاً ثم قالت : اسمعي يا ( ريم ) إني أعرف ما الذي تفكرين به .
فاصفر وجهي ، وقلت باضطراب : وبماذا أفكر ؟
قالت : ربما تحبين شخصاً !
فقلت وصوتي كعصفور مبلل : ماذا تقولـ.. .
قاطعتني قائلة : وربما كان الشخص قريباً لنا ، ونراه في اجتماعنا بالعائلة كل يوم أربعاء .
فصمتت لأني لم أعرف ما الذي يمكن أن أرد به . فأكملت : وربما يكون هذا الشخص هو (بسام )!
تطلعت لها في مزيج من كل حالات ومسميات الارتباك ، وتمنيت لحظتها أن أنفى من كوكب الأرض لمكان غير مسمى ، فليس من المستحسن لي أن يعرف أحد بهذا الأمر .
ولكنها تابعت : إن هذا شيء لا أستطيع منعك منه ، لأنه ما من مخلوق له سيطرة عليه .
ثم تابعت : ولكن أتعتقدين أنه يحبك أيضاً ؟
صمتت فترة قبل أن أقول : ولم لا ؟
فقالت : وما الذي جعلك تتوقعين ذلك ؟
فترددت قليلاً ، ولكني لم أجد فائدة من الإنكار ، فقلت لها كل الذي حصل . فقالت : ولكن .. .
ثم صمتت قليلاً وتطلعت في عيني مرة أخري ، ثم قالت : اسمعي يا أختي الحبيبة ، اعلمي - وأقسم لك أن ما سأقوله ليس أنانية مني وإنما هو الواقع - أني صادقة فيما أقول ، ولو كنت أستطيع لما بخلت عليك أبداً .
فقلت : ما الأمر ؟
قالت : في الحقيقة .. . إن ( بسام ) يحبني .
تجمدت قليلاً من هول الصاعقة التي وقعت على رأسي . ثم أكملت هي : وأنا أحبه أيضاً ، أتذكرين ذلك اليوم الذي أمسك الصفعة التي كنت سأقوم بها ، وقد حادثني أنه أعجب بي ، وأخبرته أنا أيضاً بإعجابي .
فقلت لها : إذن فهو يحبك وأنت كذلك .
قالت ( خلود ) وكأنها تتوسل إلي : أقسم لك أن الأمر ليس بيدي ، فالحب ليس بإرادتي ، كما أنني لا أستطيع جعله يحبك .
قالت هذه الكلمات ، والدموع تخنق صوتها . ثم خرجت . فجلست وحدي مذهولة من فرط قوة المفاجأة ، حتى أنني لم أتذكر هل قابلت ( بسام ) أم لا في ذلك اليوم عندما ذهبت إلى منزل جدي .
مر علينا أسبوع كامل كانت ( خلود ) تحاول فيه التقرب إلي أو مناقشتي ، ولكن دون جدوى ، إلى أن جاء يوم الأربعاء ، وذهبت هناك وقابلت ( بسام ) ، الذي بدا لي أني أذوب هوىً فيه بثقته الكبيرة بنفسه . وغاب فترة قبل أن أتكلم معه حينها ، فقال : كيف حالك يا ( ريم ) ؟ فقلت : بخير ، والحمد لله ، وكيف حالك أنت ؟
قال : بخير ، ما دمت أنت بخير .
كنت سعيدة جداً لهذه الكلمات ، ولكني حين تذكرت كلمات أختي شردت قليلاً ، فقال : بما تفكرين ؟
فنظرت إليه واستنشقت الهواء عميقاً ، ثم قلت : هل لي بسؤال يا ( بسام ) ؟
فقال : اسألي ما تشائين ، واطلبي مني ما ترغبين ، فأنا خادمك على مر السنين .
فاحمرت وجنتاي ، ثم قلت : هل .. هل .. هل تحب ( خلود ) ؟
تطلع إلي بدهشة ، وقال : من قال هذا الكلام ؟
قلت : ( خلود ) .
قال : أبداً هذا الكلام غير صحيح .
فقلت : ولكن ( خلود ) قالت لي أنك أخبرتها أنك معجب بها .
فقال بدهشة أكبر : إن هذا الكلام غير صحيح !
فتنهد قلبي في عنف . ولكنه جلس يفكر في عمق قليلاً ، ثم قال : اسمعي يا ( ريم )، أريد أن أخبرك بأمر .
فقلت : ما هو ؟
قال : لعل ما سأخبرك به أمر مثير لضحك ، ولكن ...
صمت قليلاً ثم قال : في الآونة الأخيرة أصبحت مختلفاً ، صرت أفعل أشياء لا أتذكرها بالمرة ، وقد تكرر معي هذا الشيء ، بل إنني أحياناً كنت أتعجب مضي اليوم ، بمعنىً آخر ، أتعجب أن الليل مثلاُ قد انتهى لأني لم أحس به أبداً . أتفهمين معنى كلامي ؟
قلت : أتعني أنك تحس بأن هناك أوقاتاً مفقودة في حياتك .
قال : لست أحس ، بل أنا متيقن . ثم إنني في هذه الأوقات أعمل أعمالاً ، لا أتذكرها أبداً .
تطلعت فيه قليلاً ، ثم قلـت كمن وجد حلاً : نعم هذا صحيح ، لقد بدون لي في الآونة الأخيرة مختلفاً ، فيوماً ، أراك بشخصية ، وآخراً أراك بشخصية أخرى .
قالت وقد انعقد حاجبيه : ما الذي يعنيه هذا .
فقلت له : لست أدري .
وبعد ذلك انتهى الحديث ورجعت إلى المنزل .
بدأت بعدها بيوم أبحث في كتب الطب النفسي ، وتحليل الشخصيات علني أجد ما أسعى إليه ، ولكني لم أجد ما أبحث عنه .
وبينما أنا أردد بصوت مرتفع : " هل يمكن لإنسان ، أن يملك شخصيتين ؟ " سمعني أخي ( جاسر ) ، فاقترب مني قال : ماذا تقولين ؟
فقلت له : هل يمكن لإنسان أن يمتلك شخصيتين ؟
فقال : أتقصدين " انفصام الشخصية " ؟
فقلت وقد تركز اهتمامي : ماذا ؟
قال : انفصام الشخصية .
قلت : وما هو انفصام الشخصية هذا ؟
قال : إنها حالة نفسية تؤدي إلى تكوين شخصيتين في جسد واحد ، بمعنى أن يكون هناك عقلان يتحكمان في الجسد ولكن لكل منهما وقته المحدد ، وأحيانـاً يكـون كاملاً وفيه تنفصل الشخصيتان بآرائهما تماماً وحياتهما وطبيعتهما ، وأحياناً يكون جزئياً ، بحيث يكون في الأمور البسـيطة في الحياة العملية .
فنظرت إليه بهلع ، ثم جريت إلى غرفتي لأكلم ( خلود) ، ولم أعبأ أبداً بــ( جاسر ) الذي كان ينادي علي ، وعندما دخلت أغلقت باب الغرفة خلفي بسرعة ، وقد تسارعت أنفاسي . تطلعت لي ( خلود ) في دهشة ثم قالت : ( ريم ) .. .
ولكني قاطعتها وأنا أقول : ( خلود ) أريد أن أحادثك في موضوع مهم جداً .
فقالت : ما هو ؟
قلت : ما رأيك لو ذهبنا إلى مكان لا يسمعنا فيه أحد ؟
فكرنا ، ثم ذهبنا إلى سيارة والدي التي كانت وجودة في كراج المنزل ، فأغلقنا الأبواب ، وفتحنا المسجل كي لا يسمعنا أحد . وبعد فترة قليلة من الصمت قلت لها وأنا مرتبكة : اسمعي يا ( خلود ) ، أرجوك لا تقاطعيني حتى أنتهي تماماً من كلامي .
قالت : حسناً .
قلت وأنا ألتقط أنفاسي : ( بسام ) مصاب بمرض انفصام الشخصية .
فقالت ( خلود ) : وماذا يعني .. .
فقاطعتها وقلت : ( خلود ) أرجوك ، لا أستطيع أن أتحمل أكثر ، أرجوك لا تقاطعيني .
ثم أخبرتها عن كل ما قاله لي ( جاسر ) عن هذا المرض ، ثم قلت : وأعتقد أنك أحببت الشخصية الأولى ( الشخصية الهادئة )بينما أحببت أنا الشخصية الثانية ( الشجاعة ) .
جلسنا صامتين إلى أن انتهى الشريط ، فخرجت من السيارة مسرعة واستلقيت على فراشي والدموع قد بدأت تنزل من عيني ولكن دون صوت . وبعد برهة دخلت ( خلود ) ، وربتت على كتفي ، ثم دفنت وجهها في راحتيها وراحت في تفكير عميق .
مضي يومان على هذا الحدث ، ليأتي يوم الأربعاء . وقبل ذهابنا همست لــ( خلود ) : هل نخبر ( بسام ) ؟
فكرت برهة ثم قالت : لا إننا لن نخبر أحداً بذلك .
ولم أعارض أبداً .
ذهبنا إلى هناك ورأينا ( بسام ) الذي كان ينطق بالصفاء ، فقلت لــ( خلود ) بصوت مخنوق : أراك لاحقاً .
وتركتها ، وتظاهرت بأني ذهبت ، ولكني جلست أسترق السمع ، فسمعت ( بسام ) يقول : كيف حالك يا ( خلود ) ؟
ردت عليه ( خلود ) بحياء : بخير ، وكيف حالك أنت ؟
قال : بخير .
ثم تبادلا الحديث في مواضيع شتى ، ثم تحدثا عن المشكلة التي كانت بين عمي وعمتي التي كانت في تلك الأيام أزمة عائلية ضخمة ، ثم صمتا قليلاً ثم قال هو : هل يمكنني أن أسألك سؤالاً ، وإن أحببت أن تجيبي عليه افعلي ، وإن لم تريدي فهذا لا يمثل مشكلة .
فقالت : تفضل .
ارتبك ( بسام ) جداً قبل أن يقول : في الحقيقة ... في الحقيقة إني أميل إليك ، فهل تميلين لي أنت أيضاً ؟
فقالت وقد احمر وجهها : ألم أخبرك من قبل .
فقال : لقد أ خبرتني أنك معجبة ، ولكني أريد إجابة تمنحني الراحة ، ولا تجعلني أحتار مهما حدث ، وباختصار هل تحبينني أم لا ؟
ازداد احمرار وجهها وهي تقول : من هي تلك التي تراك ولا تحبك ؟! أنت إنسان تمتلك شفافية عالية ، صافٍ ...
ثم قالت وهي تخفي ألمها : إني أحبك جداً .
وصمتت . ولم أستطع أنا أن أتحمل بقية الكلام ، فذهبت ، وحينما مررت بـ ( ناهد ) ابنة عمي الصغيرة ، قالت : انظروا إنها تبكي.
وكان ( جاسر ) قريباً ، فجاء وسألني ، فقلت له إن قدمي قد التوت .
ولم أعرف كيف مضى ذلك اليوم ولكنه مضى ، ومرت فترة طويلة على ( بسام ) دون أن يتغير، كانت ( خلود ) تأتي وتعتذر وبشدة رغم أنه ليس لها ذنب في الأمر ، فقد كانت تحبني جداً ، وأنا أيضاً أحبها .
وبعد عدة أسابيع وجدت ( بسام ) الذي أريد ، وفجأة لم أجد ( خلود ) بجواري ، فذهبت إليه وتجاذبت معه أطراف الحديث ، فقال في وسط الكلام : إني أحبك .
تطلعت إليه بدهشة ثم تورد خداي خجلاً حتى أصبح كفراولة ناضجة ، فوقفت ثم ركضت ، ولكنه أمسك يدي بسرعة ورفق وقال : أأعتبره جواباً منك ؟
فأفلت من يده وبابتسامة على وجهي أكبر من شمس في كبد السماء ، وجريت ، ولم أفكر أبداً في تلك اللحظة أنه مصاب فقد كنت فقط سعيدة لأنه يحبني وهذا يكفي .
مضت الأيام وأنا أحترق للقائه ، فكنت أصدم حين يكون مع ( خلود ) ، وأفرح جداً حين يكون معي .. أيام لا تنسى ، كانت أحلى أيام العمر ، رغم أنه يكون أحياناً مع ( خلود ) ، ولكن هذه ضريبة حبي . ولكن كانت العلاقة مني نحو أختي أنانية نوعاً ما ، فقد كانت دائماً تحاول أن تلطف العلاقة ، بينما أنا كنت أزيدها خشونة .
وذات يوم وبعد أن عدنا من منزل جدي ، جاءت ( خلود ) إلي وقالت والاضطراب بادي في وجهها : ( ريم ) أريد أن أتكلم معك في موضوع هام .
فأخذتني من يدي وذهبنا إلى سيارة أبي مرة أخرى ، وكانت السماء تمطر ، فقالت ( خلود ) : ( ريم ) ، لقد عرف ( بسام )بحكاية مرضه .
فقلت بدهشة : ماذا ؟!
فقالت ( خلـود ) بـأسـف : لقد عـرف بمرضه ، وقد أخبرني به اليوم ، فقد ذهـب إلى طبيب نفسي بعد أن لاحظ ما لاحظ . وسيحاول أن يعالج نفسه .
فقلت بعد فترة من الصمت : وما العمل ؟
قالت : لا أعلم .
أخذ الرعد يقصف ، والأمطار تزيد في حدتها . جلسنا نفكر وندبر الحلول ، ولكن دون جدوى . ثم خرجنا من السيارة بسرعة حتى وصلنا إلى باب البيت ، والحزن يكاد يكون قطعة منا ، فشاهدنا ( جاسر ) الذي قال : ما بكما ؟ كأنكما خرجتما من مأتم .
ذهبت ( خلود ) بينما بقيت أنا مع ( جاسر ) ، فسألته : من أين علمت عن انفصام الشخصية هذا ؟
قال مستغرباً : ولماذا تسألين عن هذا المرض بالذات ؟
قلت وأنا أحاول أن أخفي ارتباكي : لا إنني أحاول فقط أن أكتب موضوعاً إنشائياً جديداً للمدرسة .
فلاحت على وجهه علامات الاقتناع وقال : عندي كتاب في مكتبتي يتحدث عن الأمراض النفسية بشكل عام .
فقلت له : هل يمكنني أن أستعيره منك ؟
قال : حسنا .
ثم ذهب إلى غرفته وأعطاني الكتاب . وشرعت أنا أقرأ فيه . ثم عرفت عنه كل شيء .
جاء يوم الأربعاء ، وذهبنا ، فوجدت ( بسام ) ، ولم أجد ( خلود ) بجواري كعادتها ، فقال لي أنه علم من والده أنه مريض بانفصام الشخصية ، فقلت له : لا تقلق ، إن شاء الله سوف تُحل هذه المشكلة .
قال : ما رأيك لو غيرنا هذا الموضوع ؟ إذن اسمعي هذا الغزل : يا صدى أنغام الفتنة والروعة ، يا أمواج السحر والعذوبة ، يا وحي كُـتــّاب الشعر العربي كُــلَــهم ، يا أحلى امرأة في الكون ، أريدك أن تكوني حبيبتي ، أريد أن أدفن عيناي بوسط مقلتيك ، وأن تغمضي علي جفنيك .
قلت ، وقد احمر خداي إلى أبعد مدى يمكن أي يحمر به خدي : إني ..
قاطعني : لا تقولي أي شيء ، فقط أريد أن أخاطبك بعيناي .
وجلس ينظر في عيني بحب جارف ، ولكني لم أستطع أن أكمل النظر من خجلي ، فقمت وأشحت بوجهي ثم ذهبت بعيداً . فلحق ورائي ، فقلت مغيراً الموضوع : وماذا ستفعل في هذه المشكلة ؟
قال : هناك حل وحيد .
قلت : ما هو ؟
قال : أن أستعيد ذاكرتي .
صعقت وعلت شهقتي ، وقلت له : لا يا ( بسام ) ، أرجوك إن كنت تحبني فعلاً لا تفعل ذلك .
فقال : هدئي من روعك قليلاً لنستطيع أن نتكلم بهدوء .
فقلت بهدوء يشوبه انفعال يكفي لإضاءة منزل : أرجوك يا ( بسام ) لا تفعل هذا ، فأنا بذلك لن أراك مرة أخرى .
قال : ولكنك لا تعلمين كم سبب هذا الانفصام لي من مشاكل رهيبة ، وأنا أتعذب يا ( ريم ) .
فقلت : ولكن ...
قال : لقد اتخذت قراري ، ولن أتراجع عنه ، كما أن والدي وافق عليه ، وأيضاً الشخصية الثانية .
فلم أتمالك نفسي فجريت وأنا أبكي . وما أكثر ما بكيت من هذه التجربة ، ولما عدت أخبرت ( خلود ) بالأمر . فقالت : وما لعمل ؟
قلت : لا أدري .
ومضت الأيام ، وتمنيت ألا أقابل ( بسام ) ، تمنيت ألا تمضي الأيام ، ولكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن ، فجاء يوم الأربعاء سريعاً جداً ، وحمدت الله أن (بسام )كان مع ( خلود ) .
وعندما رجعنا منزل ، أخبرتني ( خلود ) أنها أيضاً حاولت أن تثنيه عن قراره ، ولكنه لم يوافق ، فتركته غاضبة . ولكنه قال لها : هذا شأنك .
ورجعت أقرأ في الكتاب الذي أعطاني إياه أخي ، ثم ذهبت إلى أختي فرحة وقلت لها : سأخبرك بخبر رائع جداً .
قالت : ما هو ؟
قلت لها : إن من الصعب على الفاقد للذاكرة أن يستعيد ذاكرته بسهولة ، بل إن الأمر بيد الله سبحانه تعالى فقط ، ولا يمكن لأي طبيب أن يقرر إعادته للذاكرة ، يمكنه أن يحاول فقط .
فحضنتني ( خلود ) وهي فرحة .
ولكني بعد ذلك بدأت أفكر ، هل سيستمر الحال ، كما هو إنه أمر شديد الصعوبة بل إنه مستحيل .
وعندما جاء يوم الأربعاء جلست مع (بسام )، فقال لي : هل تعلمين ، لقد عدلت عن فكرة رجوعي لذاكرتي ، لأنه أمر صعب .
فقلت وأنا فرحة : الحمد لله .
ولكنه قال وهو يشيح بوجهه : ولكن سأفعل أمراً هو في مصلحتي ، ولكنه لن يروق لك أبداً .
قلت بحذر : ما هو ؟
قال وهو ينظر في عيني مباشرة : سأتخلص إما من شخصيتي هذه أو الأخرى .
قلت بجزع هائل : ماذا ؟!
فقال بضيق : إنني لا أستطيع أن أمتلك شخصيتان في جسد واحد إنه أمر يدعو للضيق .
قلت : ولكن هـ.. .
قاطعني : ولكن ماذا يا ( ريم ) ؟
ثم قال مغيراً مجرى الحديث : وماذا عن رأيك أنت ، ماذا لو طلب منك الاختيار بين هذه الشخصية أو الأخرى ، فمن الذين سوف تختارين ؟
قلت وقد تضرج وجهي بالحمرة : وهل رأيي يهمك ؟
قال: وهل هذا يحتاج إلى سؤال ؟ إنه يهمني جداً .
قلت وقد تدفقت الدماء بوجهي وأنا أشيح به : أنت كما أنت الآن .
قال بخبث : ولماذا ؟
قلت بخجل أكبر : لأنك جريء ، وحنون و...
قال : ولأنك تحبيني .
فلم أرد عليه، وقد انتفخت أوداجي . فتطلع بي قليلاً ثم قال : ما أروعك وأنت خجولة .
فقمت ولم أرد عليه ، من الخجل ، ثم ركبت مع ( جاسر ) الذي أراد توصيلي بالسيارة التي ابتاعها مؤخراً ، وبينما أنا أفكر في السيارة تذكرت أمر ( خلود ) فارتبكت بشدة ، حتى أن ( جاسر ) سألني وقال لي : ما بك يا ( ريم ) ؟
قلت بتلعثم : لا ..لا شيء .
ولكنه تطلع إلي بطرف عينه بنظرات متشككة ، ثم وضع عينه على الطريق ، وقال : هناك يا ( ريم ) بعض الأمور لا يمكن إخفاؤها ، ويجدر بك إن تخبريني عنها .
فقلت له وقد اصفر وجهي : إني لا أخفي شيئاً .
ولكنه قال بلهجة متيقنة : بل تخفين شيئاً ، وأنا أعرفه .
لولا - الله - ثم أنني كنت أضع العباءة على رأسي لشاهد ( جاسر ) كيف يكون شحوب الموتى .
ولكنه قال : إن الأمر عائد عليك في إخباري أولاً وأخيراً .
فصمت ولم أقل شيء . وعندما وصلنا إلى المنزل ، ذهبت إلى ( خلود ) ، وأخبرتها بقرار (بسام ). فنظرت إلى الأرض ووضعت رأسها بين كفيها ، وهي تفكر بعمق ، ثم قالت : دعيني قليلاً يا ( ريم ) .
فخرجت .
مضت الأيام بعد ذلك وأنا ألاحظ ( خلود ) دائماً شاردة الذهن ، ولكنها كانت تتظاهر بالعكس ، فأحياناً كانت تقول نكتة ، ولكنها في منتصفها ، تنساها تماماً ، وقد كان ذلك أمام أهلي ، ولكن أمامي كانت دوماً شاردة لأنها تعرف أني أعلم ما يشغلها .
ظل هذا الحال مستمراً إلى أن جاء يوم الأربعاء ، وذهبت ( خلود ) لترى (بسام )بينما أنا جلست عند والدتي ، وعندما رجعنا لاحظت أن شرود ( خلود ) قد قل ، ولكنه أيضاً كان أكثر تركيزاً . وكانت حينما أسألها عن الذي حصل بينها وبين (بسام )تتهرب من الموضوع ، وفي يوم الثلاثاء ، جاءت إلي ( خلود ) وأغلقت باب الغرفة ، ثم جلست تنظر إلى الأرض كأنها نادمة ، ولكنها أخيراً التفتت إلي وقالت : هل تعلمين الموضوع الذي أتيت لأتحدث معك فيه ؟
قلت : ما هو ؟
ولكنها اقتربت مني ، ونظرت في عيناي بنظرات تحمل كل حنان الدنيا ، ثم اقتربت مني أكثر ، وحضنتني بما لم تحضني به أمي حتى من قبل ، ثم قالت : هل تعلمين لما حضنتك الآن ؟
قلت : لا .
قالت : لأني لا أتوقع أن تقبلي بأن أحضنك بعد اليوم .
قلت والفضول يكاد يتفجر مني : ما الذي حصل ؟
قالت : لقد عزم والد (بسام )على إبقائه على شخصيته الهادئة .
تجمدت لحظات أو لربع ساعة تقريباً ، قبل أن أقول وأنا منهارة ، والدموع قد بدأت تحفر مجراها في خدي : ولكن .. لماذا .. ربما ..
ثم بدأت أبكي وبشدة ، فاقتربت مني ( خلود ) وربتت على كتفي ، ولكني ثرت في وجهها وقلت لها : ماذا تريدين بعد ؟
فقامت وذهبت .
في اليوم التالي تجهزنا للذهاب إلى منزل جدي ، وهذه المرة أيضاً ذهبت وحدي مع أخي ( جاسر ) ، الذي قال : يا ( ريم ) في هذه الدنيا ، لا شيء يستحق البكاء .
ثم أكمل بلهجة ذات مغزى خاص : حتى الحب .
حينها كاد قلبي أن يقف ، ولم أستطع الرد لأنه أصبح من الواضح جداً أن الإنكار أبداً لن يفيد .
وعندما وصلنا ، قابلت (بسام ) ، وأنا حزينة جداً ، فقال لي : لم أنت حزينة .
فبهت لأني توقعت أنه يعلم ، ولكني فكرت وقلت لنفسي لربما والده لم يخبره بذلك ، لأنه قد يعارض ثم تصبح مشكلة ، فحاولت أن أبتسم بقدر الإمكان وأن أداري على دمعتي ، وقضينا وقتاً جميلاً ، ضحكت في ضحكات خنقتها دموع قلبي ، ولم ينغص علي إلا تذكر ما قالته لي ( خلود ). وقبل أن أذهبت بربع ساعة قال لي : هل تعلمين ، إني أعلم ما الذي ينغص عليك هذا اليوم .
فقلت له بارتباك : وما هو ؟
فقال بتنهيدة كبيرة ، وبلهجة تيقنت تماماً أنه يعلم : صدقيني يا ( ريم ) إني أعلم .
صمتنا قليلاً قبل أن يقول : إني أحبك يا ( ريم ) ، فهل تحبيني ؟ وأرجوك لا تتهربي من سؤالي ، فإني لن أستطيع أبداً أن أسمع منك الإجابة عليه بعد الآن ، وأنا كلما سألتك لا تجاوبين ، أريد أن أسمعها منك مرة واحدة قبل ألا ترينني بعد الآن كما أنا .
فتطلعت فيه وقلت : إني أحبك كثيراً يا ( بسام ) ، أحبك جداً .
تطلع إليها في حنان ، ثم قال : شكراً يا أعز مخلوقة على وجه الأرض ، الآن لا يهمني أي شيء .
ثم ذهب ، وذهبت أنا والدموع من عيناي بدون صوت .
وعند عودتنا أيضاً أوصلني ( جاسر ) الذي قال لي : هل تعرفين يا ( ريم ) الأفلام الهندية ، يبدو أني شاهدت واحداً منها على الطبيعة ، ولولا أني كنت بعيداً جداً ، لكان حصل شيء آخر ، وأتمنى ألا يتكرر هذا مرة أخرى ، فعواقبه ستكون غير محمودة بالمرة ,
قلت بغضب واضح وانهيار : لن يحصل شيء بعد الآن ، أبداً أبداً .
ثم انخرطت في بكاء حار بل إن دموعي كانت ملتهبة .
وجاءت فترة الاختبارات ، ولم نستطع أن نذهب إلى العائلة ، ورغم ذلك ، ما كنت أفتح كتاباً إلا وأسرح في الموضوع ، وعيناي تحملقان في الكتاب دون أن أقرأ أو أفهم منه أي شيء .
وبعد انتهاء الاختبارات ، وحصولي على درجات أقل بكثير من الأعوام الماضية ، ذهبنا إلى أول اجتماع عائلي بعد فترة طويلة ، وعندما بحثت عن ( بسام ) وجدته مع ( خلود ) ، فجلست أحسب الدقائق والثواني ، لأعرف من ( خلود ) الذي حصل ، وعندما رجعنا للبيت ، قات لها : ما الذي حصل ؟
قالت ورأسها في الأرض وكأنها أذنبت بجرم خطير : لقد استقر ( بسام ) على شخصيته الحالية .
فقلت بمزيج من القهر والألم والبكاء والغضب : إذا فقد حصل ما تريدين ؟!
فقالت وكأنها المسؤولة عما حصل : صدقيني يا ( ريم ) ، لقد اختار والده هذا ولم أكن لأستطيع أن أغير رأيه .
قلت لها : أنت دائماً هكذا تحصل الأمور كما تشتهي وتريدين ، ثم انخرطت في بكاء طويل .
ومضى على هذا الحديث خمس سنوات ، وأصبح عمري وقتها عشرين سنة ، وعمر ( خلود ) اثنا وعشرين سنة ، وكانت العلاقة مني نحو ( خلود ) جافة جداً ، ولكنها كانت تقابلني بالحنان ، بل كانت تبحث عن وسيلة للتسامح ،خمس سنين وأنا أعاملها كعدوة ، بينما هي تعاملني وكأنها السبب بما حصل . ومن ناحية أخرى كانت العلاقة بين ( بسام ) و( خلود ) قد خفت ، لأنهما قد هما كبرا ، وصار من الصعب عليهما الالتقاء أو التحدث ، وإن كانا يحاولان الاتصال دوماً . خمس سنين من الجفاء ، لو كنت مكانها لما تحملت الذي تحملته مني .
وذات يوم جاء والد ( بسام ) إلى أبي ومعه ( بسام ) ، وبعد فترة دخل علينا والدنا في الصالة ، وقال لــ( خلود ) : ( خلود ) يا بنيتي ، لقد طلبك ( بسام ) للزواج ، ما رأيك ؟
قالت أمي : في الحقيقة إنه شاب ممتاز ، وسوف يهيأ له تخصصه ، مجالات كثير للعمل في الكثير من الأماكن .
قلت ( خلود ) ، وهي خجلة : في الحقيقة إنني ...
قاطعها والدي ، وقال : يا ابنتي ، إن الزواج مسألة مصيرية ، لا يجب أن تتخذي قرارك إلا بعد تفكير كبير ، ووزن للأمور .
وبينما ( خلود ) بغرفتها سعيدة ، أعمل الحقد عمله بنفسي ، فدخلت عليها ، والشرر يتطاير من عيني ، وقلت لها : مبروك لك يا عروسه .
قالت : ( ريم ) .. .
قاطعتها بحدة : أتعلمين أنت أكثر من رأيت بحياتي أنانية ، لقد جعلت ( بسام ) لك ولم تفكري أبداً فيّ لخمس سنوات .، ولكن مبروك لك يا عروسه ، ولكني تذكري هذه الكلمات وللأبد ، إني أكرهك ، أكرهك جداً .
وخرجن وصفقت الباب خلفي بقوة ، وأنا في أشد حالات غضبي . وبعد يومين جاء عمي مرة أخرى ومعه ( بسام ) ، ولما لم أقبل بهذا الزواج أبداً اتصلت بصديقتي ( وردة ) ، وأخبرتها أني أريد أقابلها في منزلها ، فرحبت بشدة ، فأوصلني ( جاسر ) ، وهو غير راضي تماماً . جلست أتجاذب معها أطراف الحديث ، وبعد أربع ساعات اتصلت على المنزل ، ولكن أحداً لم يرد ، فاتصلت على هاتف أخي النقال : فقال إنه آتي حالاً . وبعد ربع ساعة خرجت من عند ( وردة ) ، ولكني لاحظت أن طريق العودة ليس هو طريق منزلنا، فقلت له : إلى أين أنت ذاهب ؟
قال : لقد أصيبت ( خلود ) فقد اشتد عليها مرض رئتيها ، وهي الآن تجري عملية جراحية .
فقلت وأنا مفزوعة : ماذا ؟ ما الذي تقوله ؟ وما المرض الذي تتحدث عنه ؟
قال : إن ( خلود ) مصابة بمرض خطير في رئتيها ، وكان لزاماً عليها ألا تبذل الكثير من المجهود ، وألا تغضب أبداً ، أو تحزن بشدة .
جلست أنا ، وأكاد أموت خوفاً على ( خلود) ، ثم بدأت أسترجع القصة من البداية ألف مرة ومرة .
وعندما أخرجوا ( خلود ) من غرفة العمليات ، دخلت معها الغرفة بينما بقي كل من أبي وأمي و( جاسر ) مع الطبيب بالخارج ، وبعد قليل ، دخلوا جميعاً ، وأمي تبكي بشدة ، بينما أبي يتشهد ، أما ( جاسر ) فقد كانت دمعاته واحدة تلو الأخرى ، فقلت لهم : ما الذي حصل ؟
فلم يرد علي أحد ، فصرخت فيهم ، فجاء إلي ( جاسر ) بخطوات متثاقلة ، ثم مسح دموعه وقال : يا ( ريم ) ، لقد كانت ( خلود ) .. . طيبة للغاية ، ويجب عليك ، أن تدعي لها بالرحمة والغفران .
قلت وأنا أكاد أنهار : هل يعني هذا أنها ماتت ؟
قال : لا فارق فهذا سوف يحدث قريباً فالعملية لم تنجح .
فبدأت دموعي أنا أيضاً تتساقط على خدي بحرقة ، وأنا أتذكر المعاملة السيئة التي عاملت بها ( خلود ) ولمدة خمس سنوات .
وبعد قليل تآوهت ( خلود ) فذهبت إليها وأنا أبكي ، فقالت : ( ريم ) ، أهذا أنت ؟
قلت لها : نعم أنا هي .
فالتفتت لأهلي ، وطلبت منهم الخروج ، فخرجوا بتثاقل، فقال لي : ( ريم ) ، أنا آسفة على كل ما حصل مني .
قلت وأنا أبكي : لا يا ( خلود ) أنا الآسفة ، بل والآسفة جداً ، لقد كنت أنا الأنانية ، لقد عاملتك بكل قسوة دونما ذنب اقترفته ، أرجوك سامحيني ، أرجوك .
قالت ( خلود ) : لا داعي لذلك .
قلت لها : لا يا ( خلود ) ، أنا آسفة ، لم أحتم مشاعرك أبداً ، أنا آسفة جداً ، إني .. إني أحبك بشدة .
قالت ( خلود ) : وأنا أحبك أكثر يا ( ريم ) ، لقد رفضت ( بسام ) من أجلك ، من أجلك أنت يا ( ريم ) فقط ، كنت أعلم أني مريضة ولربما تأثرت بذلك ، ولكنك أحب مخلوقة إلى قلبي ، وما رغبت أبداً أن أسعد على سبيل تعاستك .
قلت لها : حياتي فداً لك .
شكراً لك يا حبيبتي ، أرجوك ، عندما أرحل ، ادعي لي بالغفران .
ولم أتحمل انخرطت في أطول بكاء منذ مولدي إلى الآن على صدرها ، فأخذت - وفي اللحظات الأخيرة من عمرها - تلمس شعري بكل حنان . ولكني لم أستطع أن أكمل ، خرجت وأنا أبكي ، فدخل والدي عليها . ولم يمض ذلك اليوم إلا بعدما ذهبت أطيب روح لي في الدنيا في رحلة بلا عودة .
مر على هذا الحادث الآن سنتان ، كل يوم أتذكر فيه أختي الحبيبة ، التي أحبتني ، حباً نادراً . وقد حاولت أن أروي لكم القصة بكل ما أحسست به ، ولكني كلما قرأت القصة ألوم نفسي على كتابتي ، لأن الكلمات والتعابير ، تظل عاجزة عن نقل الإحساس الحقيقي لتلك الأوقات . وقد سميت القصة أغرب قصة حب في العالم ، ليس كناية عن القصة التي كانت بيني وبين ( بسام ) ، أو بين ( خلود ) و( بسام ) ، وإنما التي بيني ، وبين أختي الغالية - رحمها الله - ( خلود ) .
مســــــــــــــــــروق 
اذا اعجبك الموضوع و اردت نشره في المنتديات الاخرى فاستخدمي هذا الرابط:
أغرب قصة حب
http://forums.fatakat.com/thread38016