|
رد: احمد رامي : حب شاعر و شاعر الحب
اللقاء الأول لأحمد رامي بأم كلثوم
كانت مجلة (السفور) قد نشرت لرامي أثناء وجوده فى باريس قصيدة (الصب تفضحه عيونه) فأعجب بها الشيخ أبو العلا محمد الذى كانت تربطه علاقة ود وصداقة بأسرة رامى فأخذها ولحنها وغناها، وكانت أم كلثوم قد ظهرت وأضحت نغما سحريا يتقدم فى خطوات واثقة ليجلس على عرش الغناء العربى واحتضن الشيخ أبو العلا ذلك الصوت العبقرى وأعطاها قصيدة رامى لتغنيها وأصبح الصوت والقصيدة حديث كل الناس فى مصر المحروسة.
وعاد رامى من باريس ليجد قصيدته على كل لسان فتعجب من تلك المغنية الفلاحة التى تغنى أشعاره دون أن تستأذنه وذهب مع أحد أصدقائه إلى تياترو وحديقة الأزبكية ليسمعها حيث تغنى وجلس فى الصف الأول فوجدها فتاة تلبس ملابس الرجال والعقال فقال لها (عايز أسمع قصيدتى ياست لأنى كنت مسافر ولم أسمعها) وردت أم كلثوم بسرعة بديهة وذكاء فطرى كان أهم مكونات شخصيتها مترامية الأطراف (أهلا بيك يا سى رامى) وغنت أم كلثوم ليجد رامى نفسه أسيرا لهذه الفتاة صوتا وشخصا وليتأكد من أن هذه الفتاة هى (قدره) الحقيقى. وبعد أن أنهت وصلتها جلست أم كلثوم مع رامى وطلبت منه أن يكتب لها أغنيات خاصة بها. وكانت كتابة الأغانى فى ذلك الوقت مهنة (سيئة السمعة) حيث كان الغناء يتسم بكثير من المدلولات الجنسية وذلك لأنه يقدم فى الكباريهات بشكل أساسى فكيف يكتب رامى الأغانى وهو الشاعر اللامع الذى أصدر ثلاثة دواوين وترجمة لرباعيات الخيام وكيف ينزل من قمة الشعر إلى سفح الأغنية. وفي هذا الوقت لم يكن هناك من كتاب الأغنية المعروفين إلا بديع خيرى ويونس القاضى وأمين صدقى.. ولأن (للهوى أحكام) فلم يطل تفكير رامى أو تردده حيث قرر أن يكتب أغنيات خاصة بأم كلثوم وخطى أولى خطواته فى رمال أم كلثوم المتحركة عندما كتب لها أغنية (خايف يكون حبك لى.. شفقة علىّ) ودفعتها أم كلثوم إلى صبرى النجريدى طبيب الأسنان الذى كان يعيش فى طنطا ويلحن الأغانى فانتهى من تلحينها فى خمسة أيام وغنتها أم كلثوم لتحقق الأغنية نجاحا مدويا ليرتبط رامى مع أم كلثوم برباط (الفن المقدس) بعد أن تأكد أن (الرباط المقدس) الحقيقى وهو الزواج لن يكون أبداً.. والغريب أن رامى قد تأكد من ذلك من خلال صبرى النجريدى الذى أغلق عيادته فى طنطا وجاء ليقيم فى القاهرة وطلب الزواج من أم كلثوم فصدته بخشونة مما جعل رامى يتعلم الحكمة من رأس الذئب الطائر ويقول رامى عن ذلك (عندما طلب النجريدى الزواج من أم كلثوم صدمته فشعرت بأننى قرينه فقد أشار إلىّ بفعلته إلى ما لاينبغى أن أفعله).
وكان رامى بعد عودته من باريس قد تم تعيينه رئيساً لقسم الفهارس بدار الكتب، وقد تدرج بها حتى أصبح وكيلا لها، وبعد أن ارتبط فنيا بأم كلثوم قرر أن يعيد صياغة وجدان وعقل هذه الفتاة الريفية، والحقيقة أنه قد استطاع من خلال أم كلثوم أن يعيد صياغة الوجدان العربى بشكل عام وذلك من خلال أغنياته الكثيرة والجميلة التى قدمها لها على مدى سنوات طويلة. وقد خصص رامى يوماً فى الأسبوع لأم كلثوم وهو يوم الاثنين يوم أجازته من دار الكتب وفى كل أسبوع كان يحمل معه كتابا جديداً لتقرأه أم كلثوم ثم يناقشها فيه فى الأسبوع التالى فقدم لها جميع شعراء الغزل (مجنون ليلى - كثير عزة - جميل بثينة - عمر بن ابن ربيعة) كما قدم لها كل شعراء العشق الصوفى (ابن الفارض - الحلاج - ابن عربى) وقدم لها أيضا شعراء المجون (أبو نواس - بشار بن برد) ولم يتوقف عند ذلك بل قدم لها الغناء المصرى الشائع فى القاهرة الشعبية وفي أقاليم مصر المختلفة كما قدم لها غناء المداحين. وهكذا تحول رامى إلى مبعوث العناية الإلهية لتثقيف هذه الفتاة القروية التى كانت لاتشبع من الثقافة والأدب والشعر كما كانت تربة عذراء عطشى مما شجعه أكثر على أن يجعل (الحبل السرى) لمشاعره وأحاسيسه مرتبطا بها بل وأن يضع كل حياته بين يديها.
واستطاع رامى أن يقنع محمد القصبجى بالتلحين لأم كلثوم وحمل هذا (المثلث الذهبى) رامى والقصبجى وأم كلثوم طليعة التغيير والتطوير فى الغناء العربى.. واستطاع رامى أن يحقق ثورة كبيرة فى عالم الأغنية حيث لم ينس أنه شاعر كبير وبدلا من أن يقال إنه نزل من قمة الشعر إلى سفح الأغنية فقد استطاع أن يرتفع بالأغنية من السفوح إلى القمم فى الكلمة والمعنى انطلاقا من قناعته بأنه يقوم برسالة أدبية وقومية.. واستطاع أن يجعل أغنيته تقترب كثيرا من الشعر مما أثر فى كل كتاب الأغنية بل وفى روح الملحن وحنجرة المغنى حيث تمكن رامى من صنع توليفة لغوية رائعة تجمع ما بين الفصحى والعامية الدارجة أو ما يمكن أن نطلق عليه (اللغة الثالثة) تلك اللغة التى تبناها مجموعة من الرواد مثل توفيق الحكيم فى المسرح ومحمد التابعى فى الصحافة وأيضا يوسف وهبى فى المسرح.
وكان رامى يحرص فى كل أغنية على أن يركز على معنى معين من معانى الحب يتناوله بالعرض والتحليل حيث يرى الأغنية مثل الصورة لابد لها من إطار محدد وكان يؤكد على أن كل أغنياته تعبير عن مواقف عاشها سواء فى الفراق أو لقاء الحبيب بل كان يؤكد على أنه يبكى وهو يغنى لكى يهيج مشاعره ليعبر بصدق عن اللحظة التى عاشها. والغزل لدى رامى (عفيف دائما) لأنه لا يتعلق بالأوصاف الجسدية وإنما شوق وحرمان ولقاء وأحلام ووحدة.
وإذا كان رامى فى الشعر مصليا وليس إماماً فإنه فى الأغنية إمام وشيخ طريقة وله أتباع ومريدون وتلامذة ومن أشهر تلاميذ مدرسة رامى : مأمون الشناوى - مصطفى عبد الرحمن - حسين السيد - أمين الهجين..
وكان رامى يتعامل مع كتابة الأغنية على أنها مخاض حقيقى وعملية ولادة فعلية حيث كان يحمل فى جيبه ورقة وقلما رصاص ليسجل أفكاره وكان يكتب هذه الأفكار في أى مكان وكان يرفض تحويل هذه الأفكار إلى أشعار حتى تلح عليه وتنضج تماماً، وعند ذلك يدخل إلى حجرته ويفلقها ويحتضن وسادته. ويصف رامى حالته عندما يكون فى حالة كتابة فيقول (تشوفنى وأنا ألد أشعارى ما تعرفنيش.. أكتب مقطعا ثم يغيب منى وجدانى.. أستلقى على السرير متوجعاً.. أردد المقطع الذى ولدته بصوت الحداة الذين يرعون الغنم فى السهول.. ثم أبكى من الانفعال حتى يهتز جسدى.. لحظتها تهبط علىَّ كلمات المقطع التالى). فإلى هذا الحد كان يعانى شاعر الشباب فى كتابة أغنياته ولذلك أصبح بلا منازع عميد الأغنية المصرية والعربية. ولذلك لم يكن غريباً أن يحصل على جائزة الدولة التقديرية فى عام 1966 تقديراً لعطائه كشاعر غنائى وقد جاء فى تقرير ترشيحه لجائزة الدولة التقديرية (ولماكانت الأغنية المصرية قد مرت بها فى العهود الماضية فترة انحطاط فقد كان الأستاذ رامى أسبق الشعراء إلى حمل إمامة الأغنية بالاضطلاع بتهذيب ألفاظها والسمو بمعانيها ورفع مستواها مما أدى إلى النهضة التى بلغتها الأغنية العربية فى عهدنا الحاضر... والأستاذ رامى فى جميع إنتاجه الغزير لايقتصر على الناحية العاطفية وحدها بل يتناول الأهداف الوطنية ومن ذلك نشيد العلم ونشيد الجامعة وكثير من أناشيد الثورة).
والغريب جداً أن رامى لم ينجح فى انتخابات مجمع اللغة العربية والتهمة أنه يشايع العامية..!!
والأكثر غرابة أنه بعد فوزه بجائزة الدولة التقديرية أقسم عليه تلميذه وصديقه صالح جودت أن يعود لكتابة الشعر الفصيح فكتب قصيدة (أقبل الليل) التى غنتها أم كلثوم واستعرض فيها عضلاته الشعرية حيث كتب من عشرة أبحر شعرية مختلفة ورغم تميز هذه القصيدة إلا أنه كان يرى أن قصيدة (ذكريات) هى أجمل ما غنت أم كلثوم من أشعاره
وإذا كانت العلاقة الفنية بين رامى وأم كلثوم تعد بحق (النموذج الأمثل) لما يجب أن تكون عليه العلاقة بين شاعر كبير ومطربة عظيمة إلا أن العلاقة العاطفية كانت شديدة التوتر بعد أن أصبحت تسير فى اتجاه واحد من رامى إلى أم كلثوم ولم يكن يخجل من إعلان حبه وسعادته بعذاب هذا الحب فكان يقول (تعلمت من تجاربى معها كيف أتجنب الشراك فلا أقع فيها.. فموقفى السلبى هو حصنى الحصين.. رغم أنى كنت أتعذب وهى محط أنظار وعواطف الكثيرين وعندما تملكنى اليأس من الارتباط بها قررت الزواج).
ولم يتزوج رامى إلا فى سن الثانية والأربعين والمفاجأة أن أم كلثوم غنت له فى حفل زفافه (اللى حبك يا هناه).. ورغم زواجه كان يردد دوما (إن علاقتى بأم كلثوم لم تكن حبا.. إنما كانت تقديسا.. ما كان بيننا كان أكثر من الحب). وحب رامى فيه عفة وليس فيه ابتذال وفيه وفاء وليس فيه غدر.. وفيه احترام وليس فيه شهوة.. فهو العاشق الذى يغضب فلا يحطم المعبد بل يقف خارج المعبد يتعبد فى المحبوب الذى أذاقه مرارة العذاب ونار الحرمان.. وكان يؤكد أن الحرمان هو أجمل ما فى الحب العذرى.. وقد وصف صالح جودت هذا الحب الغريب بين رامى وأم كلثوم قائلا (ليس حب رجل لامرأة.. فقد كان حبا إلهيا قدسيا.. زى حب الإغريق لآلهة الأوليمب.. أول رامى ما عرف أم كلثوم سنة 24 وهو يحس نحوها بنوع من الغيرة السامية.. نوع من الرغبة في الصيانة والحراسة).
وقد ارتضى رامى أن يصبح درويشا يدور فى فلك أم كلثوم الصوت والحبيبة فعندما يسمع صوت أم كلثوم يصاب بحالة (دروشة) ويصف نفسه قائلا (أبقى مذهول ومذهوب بى) ويغمض عينيه ويقول (العيون لها عقل ولسان والصب تفضحه عيونه).
وإذا كانت أم كلثوم المطربة قد انتصرت على أم كلثوم الإنسانة فرفضت رامى الحبيب لتحتفظ برامى الشاعر ولتجعل من حبه وقوداً يدفعه لكتابة أغنياته العظيمة. إلا أن عطايا أم كلثوم لرامى لم تكن بالشىء الهين فقد جعلت منه مستشارها الأول حيث تأخذ رأيه فى كل شىء يخصها وتعرض عليه الأغنيات التى يكتبها الآخرون وإذا كان رامى قد كتب ما يقرب من نصف أغنيات أم كلثوم فقد كتب لها بقية أغنياتها 52 شاعرا. كما جعلت أم كلثوم من رامى المستمع رقم واحد لها حيث كانت تحرص حتى رحيلها على أن يجلس فى كل حفلاتها فى المقعد رقم 8 بالصف الأول. كما صممت على أن يصحبها فى كل رحلاتها داخل مصر وخارج مصر بعد حرب 67 عندما أحيت مجموعة كبيرة من الحفلات لصالح المجهود الحربى. وفى المقابل لم يكن رامى يغضب من أى تعديلات تجريها أم كلثوم على كلمات أغانيه طالما أنها لا تغير فى الموضوع وطالما أنها تتم بالاتفاق. خاصة وأنه كان على يقين بأن أم كلثوم هى (ديوانه المسموع) .
وعندما رحلت أم كلثوم أصيب رامى بصدمة عنيفة هزت كيانه وأدخلته فى حالة انعدام الوزن واعتزل الناس وعاش وحيداً فى حجرته التى كان يطلق عليها دوماً (الصومعة) وعاش فى دوامة من التصوف والاكتئاب زاد من قسوتها إصابته بتصلب الشرايين والتهاب فى الكلى ورحيل أولاده إلى خارج مصر حيث سافر ابنه محمد إلى إنجلترا وابنه توحيد إلى أمريكا وابنته إلهام إلى ألمانيا.. ولم يكن يفرج عنه إلا بعض الأبيات الشعرية التى يكتبها يناجى فيها ربه مثل :
يا إلهى يا خالقى سبحانك
إن فى طاهر القلوب مكانك
جئت أسعى إلى رحابك أدعو
ولسانى مرتل قرآنك
ولم يتحدث رامى إلى الصحافة بعد رحيل أم كلثوم إلا مرات قليلة جدا حيث انتقد بعنف حال الأغنية حيث قال (موسيقانا الآن كرجل صعيدى بجلباب بلدى ولكنه يرتدى برنيطة أمريكانى والأغنية الآن كالبطيخة الماوى فيها مياه وكبيرة الحجم وليس لها طعم)، وقال أيضا (الأغنية فقدت الكلمة الحلوة والمعنى الجميل وأصبحت ألفاظها سوقية مكشوفة ومعانيها مبتذلة تافهة وخرجت عن إطار الروحانية وسقطت فى أوحال المادية الحسية).. فماذا لو امتد العمر برامى ليرى ما نعيش فيه من قصف متواصل وحرب ضروس للفضائيات الغنائية التى لا ترى فى الغناء إلا بعض (المشهيات الجنسية المكشوفة) وصدق رامى عندما قال (أغانى هذه الأيام سمك لبن تمرهندى)
أنه من الظلم أن نحصر عطاءاته الإبداعية فى مجال الشعر والأغنية؛ فقد امتدت عطاءاته إلى عالم السينما والمسرح والترجمة. وبدأت علاقته بالسينما من خلال صديقه الموسيقار محمد عبد الوهاب الذى عرفه قبل أن يعرف أم كلثوم، وكان عبد الوهاب يرى أن رامى (أمير الأغنية) كما أن شوقى (أمير الشعراء) واستطاع رامى أن يجمع ما بين صداقة (القوتين العظميين) رغم كل ما بينهما من اختلافات.. فقد كتب كل أغنيات الأفلام الأربعة الأولى لعبد الوهاب إلا أغنيتين هما «النيل نجاشى» وكتبها أحمد شوقى و«جفنه علم الغزل» وكتبها بشارة الخورى. وبعد بداية تجربته السينمائية مع عبد الوهاب كتب قصة فيلمى أم كلثوم وداد ودنانير. كما قام بترجمة العديد من المسرحيات لوليم شيكسبير مثل هاملت - يوليوس قيصر - العاصفة - النسر الصغير - وقدم هذه المسرحيات لفرقتى يوسف وهبى وفاطمة رشدى كما ترجم أيضا «سبيل التاج» لفرانسوا كوبيه و(سميراميس) لبلاران و(شارلوت كوفارى) ليونارى و(جان دارك) لبارييه و(يهوديت) لبرتشتين و(أرنانى وماريون دى لورم) لفيكتور هوجو.
كما كتب رامى عدة مسرحيات من تأليفه وهى : إبنتى - حبابه - غرام الشعراء.
وفى النهاية فإنه من المستحيل أن نختصر تسعين عاما فى بضع وريقات، ولكننا نؤكد على قيمة وتفرد أحمد رامى ذلك الصوفى الذى ذاق فعرف فامتطى جواد البوح... وتألم فصرخ شعرا نورانيا مصفى والذى عاش طوال حياته فى حالة دائمة من (الوسطية) والذى كانت أغنياته (عصى موسى) التي التقمت الإباحية التى كانت فى الغناء قبله.. وفى ظل الإباحية الغنائية التى كادت أن تغرقنا فى الوقت الحالى لا نجد ما نعتصم به إلا أغنيات رامى!...
منقول
|